حينما يخرج الطالب والطالبة من أسوار التعليم العام إلى المرحلة الجامعية التي يجمع الأغلبية على الالتحاق بها، فإنه يخرج من بيئته التعليمية والمعرفية المحدودة نحو آفاق أرحب وبيئة أكبر تتمثل في الجامعات. هناك يتخلص الطالب من نمطية التعليم، ويبدأ الاعتماد على التعلم الذاتي بقدر أكبر، متبعا أساليب الاطلاع والبحث والتساؤل، خاصة وأن الجامعة – كما نظن وينبغي لها- تعد مصدرا للتعرف على خبرات الشعوب وعلوم الأمم وفرصة للالتحاق بركب التعلم والتطور والتنوير، كما تصبح بيئة لصقل شخصيته أكثر، إذ تساعده على الانضباط والتعامل مع الأفراد بمختلف شخصياتهم، فتنمي لديهم السلوك الإيجابي في التعامل مع الآخر وتعزز الثقة بالنفس تبني أفرادا متزنين نفسيا واجتماعيا.
هذه بعض السمات التي يتوقعها المجتمع من الجامعات، بطواقمها الإدارية والتدريسية والطلابية، وما يعوّل عليها في بناء الأفراد أكبر مما يمكن إحصاؤه هنا. لذا نلحظ أن كثيرا من الجامعات حول العالم تهتم بالبحوث العلمية كمصدر أول لتنمية المجتمعات، وتستقطب مختلف المؤتمرات والندوات العلمية في مقارها، وقد تتبنى وجود ورش عمل دائمة ومختبرات علمية ومكتبات مركزية تعد مرجعا وإرثا يضم مختلف المصادر والعلوم، وعلى هذا تتنافس الجامعات حول العالم وتتصدر المراكز الأولى في ترتيبها أو تتراجع.
فيما تقدم جامعات العالم بعض ما ذكر أعلاه وتتنافس في استقطاب الكوادر العلمية المميزة، يطالعنا الإعلام بعدد من الشكاوى التي لا تتفق مع ما يتوقع للجامعات من دور توعوي في المجتمع، بل وتعد من توافه الأمور ومن المضحكات التي لا نعلم إذا لم تبادر الجامعات كمؤسسات تربوية مستقلة وفاعلة في التخلص منها، والتركيز على البناء والتطور والتميز وإحداث التغيير في حياة الأفراد من خلال مبادراتها فمن بإمكانه ذلك؟ لعل آخر هذه الأخبار ذلك الخبر الطريف الذي عنون بأن (جامعة الملك خالد تستبدل الموسيقى «بالآهات»)، وذلك خلال فعالية مهرجان المسرح في دورته الثالثة الذي يقام للطلاب المهتمين بالمجال المسرحي.
اهتمام الجامعة في البدء بالنشاط المسرحي وتخصيص مهرجان له يقام كل عام يعد بحد ذاته خطوة إيجابية في التوسع في العمل المسرحي المهمل لدينا، والجميع يعلم ما للمسرح من أهمية توازي التعليم في تثقيف وتنوير المجتمع وبناء الشخصيات خاصة في الجيل الشاب. والعمل المسرحي يخضع حينما يقام لاشتراطات من يقدمه من مؤلف ومخرج وطاقم عمل، وعلى الجهة المستضيفة ألا تفرض شروطها التي تنتزع من العمل قيمته أو تنقصه بشكل مخل يشوه ما أريد له. الأهم من هذا هو منع الجامعة للموسيقى في الأعمال المسرحية المشاركة أو في غيرها من الأنشطة والمشاريع التي تقوم في حرمها، والمنع هنا بالتأكيد يقوم على اعتبارات فقهية غير مثبتة، وكما هو معلوم كقاعدة فقهية أنه: «لا إنكار في مسائل الخلاف». ففي الوقت الذي ينبغي أن تكون الجامعة منارة للوسطية والاعتدال وتقبل الآخرين وتغيير المفاهيم الفقهية المغلوطة، تقوم بتعزيزها من خلال المنع وجعله شرطا أساسيا في كثير من فعالياتها الطلابية، والأدهى والأمر هو استبدال «الآهات» بدلا عن الموسيقى كنشر مضاد للبكائيات والأحزان وأصوات الموت والقبور التي تشربها المجتمع بما يكفي إبان ثقافة الجهاد وكبوات الصحوة. وهي بهذا تساهم أكثر في تنميط المجتمع بذات القالب الكئيب والرجعي، وتصبح بيئة طاردة للمواهب المختلفة.
الغريب في الأمر أن يحدث هذا الأمر في الأسبوع الماضي في الوقت الذي يقوم فيه الملك سلمان بن عبدالعزيز بجولته الآسيوية، والتي ظهر لنا فيها من خلال متابعاتنا وهو برفقة رئيس الصين يمر بالفرقة الموسيقية المصاحبة له في تلك الجولة والتي أنهت عزف مقطوعة للفنان طلال مداح وبدأت بعزف أخرى وطنية لمحمد عبده، «فوق هام السحب»، وتوقف للحظات للاستماع عليها ثم استأنف جولته مع مضيفه. فبمثل هذا الموقف الذي يظهر فيه أعلى مقام حكومي في الدولة وفي مناسبة رسمية رفيعة المستوى لا ينكر وجود الموسيقى ولا يطالب بمنعها، بل إنها ترافق جميع المناسبات الرسمية وغير الرسمية؛ بمثل هذا هل تعتبر الجامعة أنها تتناقض مع المؤسسات الحكومية الأخرى؟ أم أنها في مثل هذا القرار وما شابهه أعلم وأكثر حرصا من غيرها؟ وهل هذه الاشتراطات التي تنتزع الموسيقى – كمثال فقط لا الحصر- تطبق في جميع الجامعات السعودية أم أن كل جامعة لها عوالمها المختلفة وتناقضاتها أو مزاياها التي تشاركها فيها الأخريات؟.
إن إقصاء الموسيقى واعتبارها مثارا للخلاف في محفل جامعي كهذا، وتعميم فكر أحادي تجاهها ليس بالأمر الوحيد الذي على جامعة الملك خالد التنبه له واتخاذ قرارات ريادية تجاهه دون الركون للخوف من ردات فعل البعض الذين يريدون توجيه المجتمع من زاوية رؤية واحدة، لا تقبل التنوع والتطور والتنظيم الذي ينبغي أن يتناسب مع مكانة جامعة مهمة كجامعة الملك خالد، ومنها على سبيل المثال أيضا أنها من ضمن الجامعات التي لا تحمل طالباتها بطاقات جامعية تحمل صورهن الخاصة، بينما في حقيبتها تحمل هويتها الشخصية بذات الصورة، ولكن الجامعة فقط أريد لها أن لا تريد.