متى كانت المرة الأخيرة التي اصطحبت فيها أبناءك إلى مكتبة عامة، وأعني بها المكتبة التي يجلس فيها الشخص بسكينة وهدوء ليستمتع برائحة الكتب والجرائد، أو ليقرأ لنفسه أو لطفله، أو ليشارك في حضور نشاط إنساني أو اجتماعي؟ هل هناك مرة أولى؟

شغلني السؤال أعلاه بعد حضور معرض لفناني حيّنا في مكتبة الحي العامة في منطقة Ealing بلندن، اتفق مجموعة من الرسامين والعازفين المحليين على عرض إبداعاتهم لجيران المكتبة، وصناعة البهجة لأنفسهم ولغيرهم بالمجان. تزامن هذا المعرض مع يوم السعادة العالمي، واستقبلت فيه المكتبة التبرعات العينية والمالية، لدعم جمعية خيرية محلية مهتمة بالصحة النفسية في المجتمع.

قبل أكثر من عامين تلقيت دعوة ضمن سكان الحي للمشاركة في استبانة لمنع تقليص الدعم المادي عن مكتبة الحي. كان ضمن الأسباب التي أوردها كاتب الاستبيان حينها، أن المكتبة هي رئة الحي، وأن البنود المخصصة لها في الميزانية لا تقارن بالمنافع التي يحصل عليها السكان من وجود المكتبة وقدرتها على القيام بأدوارها المختلفة في دعم المجتمع، من احتواء لشرائح السكان المختلفة، ومن رفع مستوى الحياة، بل حتى تحسين مؤشرات الأداء لمدارس الحي. أثارت هذه الرسالة فضولي لمعرفة كيف تخدم مكتبات هذا الجزء من العالم زوارها، وكيف تسهم في تنمية المجتمع؟.

تعدّ المكتبة هنا مكونا أساسيا من مكونات الحي، مثلها مثل الحديقة ومقهى الناصية وأماكن العبادة ومركز شباب الحي. مكتبة الحي تتبع عادة إحدى المناطق الإدارية، وترتبط بكل مكتبات المنطقة نفسها، مما يعني أن سكان الحي يستفيدون من خدمات عدة مكتبات عامة ببطاقة عضوية واحدة. يمكن لزائر المكتبة أن يقرأ أو أن يستخدم أجهزة الحاسب الآلي للتصفح أو الطباعة، يمكن كذلك الدخول على شبكة المعلومات

واستخدام أجهزته الخاصة للبحث أو الترفيه. توجد في مكتبات الحي عادة غرف مجهزة يمكن استئجارها بمبالغ رمزية بالساعة، لإقامة الأنشطة المختلفة أو لاجتماعات الدراسة للأصدقاء.

تنشئ المكتبات هنا مجتمعها الخاص خلال دعوة سكان الحي إلى إنشاء مجموعات تطوعية ذات اهتمامات مختلفة، يمكن الانضمام إليها في المكتبة وليست كلها للقراءة، هناك مثلا من يريد أن يكتسب لغة ثانية أو ثالثة فيتطوع مع مجموعة من أقلية معينة ليتعلم منهم لغتهم ويعلمهم لغته، هناك من يحضر بأطفاله ليلتقوا بأطفال آخرين في عمرهم، ويشكلوا مجموعة للقراء الصغار في الحي.

من الأنشطة كذلك مجموعات القراء الذين يجتمعون مرة في كل شهر لمناقشة كتاب ما أو لقراءة إبداعاتهم لبعضهم بعضا، أو الاستفادة من جلسات التفكير الناقد والعصف الذهني.

تقام في المكتبات أمسيات شعرية مصغرة، ودروس للمهارات المختلفة كالتريكو والعزف والرسم على الزجاج والتصوير، وغيرها كثير مما يثري مجتمع المكتبة وروادها.

في معظم المكتبات يتم تصميم ركن الأطفال بطريقة ترحِّب بالطفل في مملكته الخاصة، فالأثاث مناسب لحجمه وسهل التنظيف، والألوان دافئة ومحفزة، والمسؤول الأقرب للركن يوزِّع الألوان والابتسامات، ويساعد الطفل في تعليق عمله على جدارية المكتبة، الاهتمام بهذه التفاصيل يجعل الطفل يشعر بالانتماء للمكان ويحبّذ البقاء فيه وزيارته مرارا وتكرارا.

تحرص مكتبات الحي كذلك على تشجيع الأطفال على الاستعارة، بإعفائهم من دفع غرامة التأخير في إعادة الكتاب أو فقدانه، فالهدف الأهم هو أن يقرأ ويتعرف على من يشاركونه شغف القراءة، وأن يحب العودة إلى المكتبة مرة بعد أخرى. يتم تسجيل الأطفال بحسابات خاصة في المكتبات لاستخدام أجهزة الحاسب، هذه الأجهزة مبرمجة للسماح للطفل بالعمل لفترة محددة لا تزيد عن ساعة، يجب عليه بعدها ترك الفرصة لغيره لاستخدام الجهاز، هذه البرمجة الزمنية مهمة لتعليم الطفل مبدأ المشاركة مع الآخرين، وهي كذلك تحمي الطفل من الإفراط في الجلوس على أجهزة الحاسب.

توجّه المكتبات معظم نشاطاتها خلال أيام الأسبوع للصغار دون سن المدرسة، ولكبار السن من المتقاعدين، بينما تمتلئ جنباتها بالطلاب يومي السبت والأحد، وذلك بسبب مجموعات التقوية والاستشارات الفردية لحلّ الواجبات الدراسية والتي يقام بعضها دون مقابل مادي.

في كل مكتبة عامة ركن تزيّنه لغات العالم، فالمكتبات تحتفي بكل الثقافات خلال عرض الإنتاج الأدبي لكل اللغات في أركان المكتبة، كما تحتفل بالأيام الخاصة مثل يوم القراءة، ويوم الأم، والأعياد الدينية المختلفة. الخلاصة، أن المكتبة العامة في أحياء هذه البلدان شجرة سنديان عظيمة، يتفيأ ظلالها سكان الحي باختلاف أطيافهم.

حقيقة، لا أجد مبررا لغياب المكتبات العامة عن خارطة التنمية الفعلية في بلادنا التي يمثل الشباب ثلثي تعدادها السكاني، ومن الصادم جدا أن بلادنا مترامية الأطراف، لم يصل عدد المكتبات العامة فيها إلى التسعين مكتبة، وغالبية المكتبات القائمة ليس لها دور ملموس في الترفيه أو التعليم أو تنمية المجتمع، باستثناء بعض المكتبات التي تعدّ على أصابع اليد الواحدة، والتي لا تتبع -كما يبدو- وزارة الإعلام.

وبمناسبة الحديث عن الوزارة، أود الإشارة إلى خبر قرأته خلال كتابة هذا المقال، مفاده أنه تم رصد مبلغ 150 مليون ريال لإنشاء 30 مكتبة معتمدة على مدى 5 أعوام، وذلك ضمن مشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير المكتبات.

هذا الخبر المؤرخ عام 2014 تحدّث فيه المسؤول عن المكتبات في وزارة الثقافة والإعلام عن خطة لتطوير البنية التحتية للمكتبات القائمة، ولتوفير الشبكات والحواسب الآلية والأوعية الإلكترونية والورقية ومصادر المعلومات، وعن بناء قواعد معلومات، وتطوير أنظمة المكتبات العامة وآليات عملها، متوقعا إنجاز مشروع الـ30 مكتبة خلال 3 إلى 4 أعوام.

حسب كلام المسؤول ووفقا للتواريخ، بقي عام تقريبا على افتتاح الـ30 مكتبة بإذن الله، واستكمال مشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير المكتبات.

كلي أمل أن نرى ذلك على أرض الواقع، وأن تشهد خدمات المكتبات العامة في بلادنا نقلة نوعية تجعلها الوجهة الأولى للترفيه وتنمية المواهب، واحتضان الشباب واستثمار الأوقات، وصناعة الذكريات العظيمة مع أطفالنا وجيراننا، بعيدا قدر المستطاع عن ثقافة المطاعم والاستهلاك.