يقول القوميون الفرس إن أجدادهم كانوا يعتبرون السعادة هبة من الله، وإن هذه السعادة تتحقق في احتفالات النيروز كل عام، وهذا من الموروثات الشعبية المتشابهة مع كثير من موروثات الأمم في العالم. لكن بغَض النظر عن دقة هذه الأسطورة أو هذا الموروث، ينبغي لنا أن نتساءل في هذا المقام: هل تَحققت للإيرانيين السعادة هذا العام؟ بل هل تحققت لهم السعادة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979؟

لقد أصبحت إيران منذ سنوات عديدة، تعيش في عزلة عن الدول المحيطة بها، وهذه العزلة لها تأثير كبير على الشعب الإيراني، فالسعادة لا تكون أبدا في العزلة عن المحيط، فأي سعادة لشخص لديه كثير من المشكلات مع جيرانه ويشعر بأنه منبوذ بسبب أمر ربما لا دخل له فيه بشكل مباشر أو لأمر شخصي؟ هذا الوضع هو ما جلبه النظام الإيراني على الشعب الإيراني، الذي أصبحت العزلة حوله خانقة، اقتصاديا وماديا واجتماعيا ودبلوماسيا.

أين السعادة في ظل هذه العزلة وانتشار الفقر في المجتمع الإيراني، حتى بدأت تنتشر ظواهر اجتماعية سلبية عديدة، كالنائمين في الشوارع، أو في صناديق الورق، أو الساكنين في القبور، أو الزواج الأبيض، وغيرها من الظواهر التي تعاني منها قاعدة عريضة من المجتمع الإيراني، خصوصا مع انتشارها في العاصمة الإيرانية طهران؟

وتقول هذا عديد من الإحصائيات التي تؤكد أن نسبة كبيرة من المجتمع الإيراني، إذ صرح برويز فتاح، مسؤول لجنة خميني الإغاثية في إيران، في نهايات فبراير الماضي، بأن 11 مليون مواطن في إيران يعيشون تحت خط الفقر؟

وكيف تتحقق السعادة للمواطن الإيراني إذا كان بلده على قائمة الدول الراعية للإرهاب، في حين يضع كثير من الدول قيودا على دخول الإيرانيين إليها؟ كيف تتحقق هذه السعادة وشؤون المواطن الإيراني من دراسة وعمل واستثمار وسياحة، وغير ذلك مما يرتبط بالسفر والانتقال بين الدول، معرض للخطر والتعطل في كل وقت؟

وكيف يشعر المواطن الإيراني بالسعادة وهو محروم من كثير من حقوقه العِرقية والثقافية والسياسية واللغوية، وتُمنَع عنه وسائل التواصل مع العالم الخارجي إلى درجة أن النظام يسعى لتحويل البلاد إلى نسخة مكررة من كوريا الشمالية، إلى دولة منغلقة على نفسها.

فإذا كانت فلسفة عيد النيروز قائمة على الدخول في عالم حيوي جديد والخروج من جمود الشتاء وبرودته والدخول إلى عودة الحياة ودفء الربيع وتَفتح الأزهار وذوبان الجليد، ومِن ثَم يُطلَق عليه «اليوم الجديد»، فأي تحول عاشه المواطن الإيراني مع دخول العام الهجري الشمسي الجديد؟ هل شعر بتغير في حياته الاقتصادية أو الثقافية أو التعليمية أو الاجتماعية؟ هل خُففت الأعباء التي تثقل ظهره منذ عقود؟ هل شعر بانفتاح بلاده على العالم، ناهيك بانفتاحها على الدول المجاورة لها، وإمكانية أن يكون مواطنا له حقوق وحرية في الحركة والتنقل بين الدول كبقية المواطنين المنتمين إلى بلدان غير موصومة بالإرهاب؟

كان المواطن الإيراني ينسج أحلاما وأماني عريضة بعد الاتفاق النووي، كان ينتظر تدفق المشروعات والاستثمارات على بلاده، وتوفير فرص عمل له ولأبنائه وجيرانه، كان ينتظر تحسن مستوى معيشته وتجاوُز المحن التي عصفت به وبأسرته طوال سنوات العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد إيران، كان المواطن الإيراني -كأي مواطن في أي بلد- يتمنى أن يحيا حياة «طبيعية» في بلد «طبيعي»، بعد أن مثل له الاتفاق النووي بين بلده ودول 5+1 شكلا من أشكال العودة إلى العلاقات الطبيعية بين البلدان...

لكن تبخرت أحلامه حول نتائج الاتفاق النووي، من تَحسن المعيشة وتراجع الأسعار ومعالجة التضخم والبطالة التي ظل يحلم بها المواطن الإيراني البسيط طوال فترة المفاوضات بين إيران والقوى الغربية، ليستيقظ على سراب رُوج له بعناية، فبعد قرابة عامين يجد المواطن وضعه أكثر سوءا والنظام السياسي أكثر قسوة والفشل يحيط به من كل جانب! ليردد مع لحظات دخول العام الجديد: «متى تتحقق المعادلة ويصبح النيروز بداية حقيقية لعام أفضل من سابقه؟»، ولكنه يهمهم في داخله: «ولماذا سيكون هذا العام مختلفا عن غيره ولا بوادر لتغير حقيقي سواء داخليا أو خارجيا؟».

إننا في دول الجوار العربي نتمنى للشعوب داخل إيران الخير والسعادة ورغد العيش والحياة الكريمة، والخروج من نفق الشر والإرهاب والتعاسة الاجتماعية والضيق الاقتصادي والحياة الصعبة، ورغم أن أوطاننا العربية تكتوي بعبث وطائفية وإرهاب نظام ولاية الفقيه، في العراق وسورية واليمن ولبنان وغيرها من البلدان، كما يكتوي بها من يقبع تحت ذلك الحكم، فإننا نشاطره الأمنيات بأن تتحقق معادلة السعادة ويتغلب الخير على الشر والصحة على المرض وتعيش المنطقة بسلام وأمن وتعايش، بعيدا عن الأحلام الإمبراطورية والشعارات الطائفية وسموم الإرهاب... فمتى يتحقق ذلك يا تُرَى؟ متى؟