إن ما يشهده العالم في الوقت الراهن هو إعادة تأكيد السيادة الوطنية على حساب مؤسسات كانت مقبولة سابقا، حيث أكد هذا المفهوم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف خلال مؤتمر ميونيخ للأمن مؤخرا، ورفض علنا مصطلح النظام العالمي الليبرالي، بحجة أن النظام العالمي انتهى بعد الحرب الباردة، ودعا القادة المعنيين لدعم نظام عالمي جديد لما بعد الغرب.

تأتي هذه التصريحات المرعبة في وقت يهرول فيه القادة الأوروبيون للظفر بأي تطمينات من قبل الإدارة الأميركية الجديدة حول مواصلة التزاماتها وحمايتهم من أخطار روسيا المحدقة، وذلك بعد أن أظهر الرئيس الأميركي ترمب وبعض قادة إدارته موقفا منتقدا للناتو والاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع بالعديد منهم إلى الحذر والشك حول مدى التزام واشنطن بحمايتهم.

في عام 2016 التزمت 5 أعضاء فقط في حلف شمال الأطلسي بالمتطلبات المالية إزاء الحلف والبالغة 2% من الناتج المحلي لكل دولة، فيما تجاهلت باقي الدول عن دفع التزاماتها، وهو الأمر الذي أثار غضب واشنطن، وهددت بسحب ثقتها من هذا الحلف، في مسعى يراه خبراء تهديدا إضافيا لوحدة هذا الحلف الأوروبي، فضلا عن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد قريبا.

إن مما يلحظه المراقب، من زيادة ترمب للنفقات العسكرية لدى بلاده، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصعود الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا وبقية دول الغرب، أثر في زيادة تهالك الثقة لدى المواطنين الأوروبيين إزاء هذا الاتحاد، في وقت لا أحد يتمنى زوال هذا الاتحاد، بقدر ما يريد إعادة ضخ مزيد من السلطة القوية إلى الحكومات المحلية، في وقت يجادل فيه البعض ويرفض أي هيمنة ألمانية على هذا الاتحاد بعد خروج بريطانيا.

ويقول البعض إنهم لا يريدون اتحادا أوروبيا تسيطر عليه ألمانيا بعد البركزيت. ورأى كاتب المقال أن نقاشات محدودة دارت في ألمانيا حول ما إذا كان يجب على برلين أن تأخذ دورا رياديا في الغرب، فيما تؤمن ميركل بأن المطلوب هو مزيد من الاندماج الأوروبي لا العكس.

من هذا المنطلق، نفهم أن المصطلح التقليدي للنظام العالمي الغربي بات يواجه تحديات خطيرة وعلى عدد من الجبهات، حيث إنه لم يكن منقسما في السابق بهذا الشكل إلا نادرا، قبل أن تنقض عليه الأحزاب اليمينية الشعبوية، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة التصرف بجماعية قبل أن تفرض موسكو نظامها الجديد لما بعد الغرب. 


ديفيد ريتشي

السفير الأسترالي بألمانيا سابقا-مؤسسة ذا إستراتيجيست الأسترالية