في كل فترة تخرج فضيحة اجتماعية بين التيارات المتصارعة، بحيث يقوم كل تيار بفضح التيار الآخر، من خلال نشر صور أو أحاديث أو فيديوهات تثبت تناقض التيار أو بعض رجاله. حصلت هذه كثير من المرات، وتقريبا بالتساوي بين الأطراف المتنازعة، مع حدة بعضها، وضعف بعضها الآخر، والغرض منه فضح التيار على الملأ، وليس صراعا فكريا كما تعود الناس من قبل، إذ تحولت الأمور إلى ما يسمى بالضرب تحت الحزام، والفجور في الخصومة، ولا يمكن البحث عن أي مبرر ولو ضعيف للطرف الآخر من باب محاولة الإنصاف، وإنما المسألة كونها صارت فرصة للانقضاض على الخصم رغبة في إنهاكه ورغبة في كسر الثقة الاجتماعية في بعض رموزه، وكلما كانت الشخصية اعتبارية كانت الفضيحة أكبر وكان الحدث مدويا إلا أنه سرعان ما يتم تجاهل الموضوع ليعود الصراع من جديد في البحث عن مثالب الآخرين، وهو بالتأكيد صراع لا أخلاقي تتميز به التيارات السعودية المتنازعة في التأثير على المجتمع.

السؤال الأخلاقي في هذا الصراع غائب تماما عن المسألة، فما أن يجد التيار المضاد فرصة للقدح أخلاقيا في الطرف الآخر إلا ويبدأ في نشره بين الناس. بعض المقاطع التي تنتشر حصل لها بعض من عملية التجزئة، بحيث لا تجد الصورة أو الفيديو أو المقطع الصوتي كاملا، بقدر ما تجد جزئيات يريدها التيار المضاد أن تنتشر، ولسنا بحاجة إلا التأكيد على لا أخلاقية هذا الفعل، لكونه لا يعطي الصورة كاملة، وإنما هي صورة مفصولة عن سياقها.

الخطاب الديني والخطاب الليبرالي (مع رفض البعض لوجود خطاب ليبرالي في السعودية) يتساويان في لا أخلاقية الصراع، فرغم ادعاء ممثلي الخطاب الديني أو دعواهم في احتكار الأخلاق إلا أنهم في مسألة الصراع مع التيارات المخالفة يمارسون عملية تشويه متعمدة وغير حقيقية أو يبحثون عن أي مثلب فكري أو ديني أو أخلاقي لفضح التيارات المخالفة لها وتحطيم وجودها في المجتمع. وفي المقابل فعلى رغم دعاوى التيار الليبرالي في نشر فكرة الحريات إلا أنه يمارس نوعا من الفضائح الأخلاقية متى وجد الطرف الآخر وقع في بعض الأخطاء، وعلى ذلك تنتفي صفة الحريات الشخصية التي كان يطالب فيها تجاه الطرف الآخر.

الصراع بين التيارات في السعودية، والذي كان موقع تويتر عاملا من عوامل تأجيجه ونشره أكثر، هو صراع تنتفي فيه الأخلاقية، بمعنى أنه صراع لا يهدف إلى فتح مجال الحريات وتعزيز القيم الأخلاقية العامة وإعادة «مفهمة» الأخلاق من جديد والحوار حولها في المجالات العامة، وسبق أن اعتبرت برامج التواصل الحديثة واحدة من المجالات العامة، ولذلك كان يمكن أن تعيد تأسيس بعض المفاهيم والحوارية والتواصل كما كان يطالب بها هابرماس، وتأكيده على عدم اختطاف المجال العام من أي تيار، لكن ما هو حاصل يختلف تماما عن الفلسفة التواصلية أو الحوارية، إذ تحولت هذه المجالات العامة الإلكترونية إلى منطقة فضائحية أكثر منها منطقة تشاركية.

اللاأخلاقية صفة من صفات هذا الصراع بين التيارات وفضائحياته المتقابلة، وعلى رغم أن الصراع هو في بعض أموره أمر طبيعي جدا، لكنه لا يصل إلى الحالة التي وصل إليها من لا أخلاقية، إذ كنا تعودنا في المجالس الثقافية والعلمية والدينية على أن الاختلاف وارد في أي قضية وتبقى في إطار الجدل العلمي مع أخلاقيات التعامل مع المختلف، لكن على المستوى العملي لا نجد مثل هذه المثالية العلمية التي توجد في الأوساط العلمية، سواء كانت ثقافية أو دينية، فعلى رغم كل ما يدعيه الطرفان من مثاليات فكرية وأخلاقية إلا أن الممارسة العملية تنفي المثالية الفكرية، فإن كان القول أخلاقيا فالعمل لا أخلاقي إلا فيما نجد بين الأطراف ومع ذلك لم يسلم منه أحد من أي تيار.

الإشكالية أن الأطراف المتصارعة تدعي من وجهة أخرى أنها تمثل المجتمع وأنه التيار الأعرف، في حين أن المجتمع خارج عن الثنائية المتصارعة كما يتوهمها الطرفان وتبقى الميول الطبيعية موجودة، لكنها خارج مفهوم الصراع الذي يقوم عليه الطرفان، وعلى هذا الأساس فإن أي ادعاء بتمثيل المجتمع هو ادعاء غير صحيح، لكونه لا إثباتات له على أرض الوقع وبصورة واضحة وسليمة، وإنما هي أقوال عامة لم تثبت صحتها أو نفيها والفاعل الحقيقي هو صاحب القرار وليس الأطراف المتنازعة. والمفاجئ أن المجتمع يسير في إطار طبيعي خارج ذهنية الصراع رغم ميله الفكري لأي طرف، إذ يمكن مثلا أن يميل مجموعة من الناس إلى التعاطف مع الخطاب الديني ضد الليبرالي، لكن من الطبيعي تماما أن تجد هذه المجموعة تحضر حفلات غنائية مثلا، رغم اعتراض الخطاب الديني على ذلك، إذ إن الميل الفكري لا يستوجب المسألة العملية، فالسلوكيات الاجتماعية تختلف عن الأفكار المجردة التي هي عادة أفكار نظرية في مجملها، ولذلك فأي ادعاء من قبل أي تيار بأنه يمثل المجتمع ضد التيار الآخر هو ادعاء لا أخلاقي لأنه سلب لحق الناس في اختيار مصيرهم ومن يمثلهم، وفي حالة غياب هذا التمثيل الفعلي فإنه من الخطأ ادعاء تمثيل المجتمع في ذلك، خاصة في صراع لا أخلاقي، كما هو حاصل في بعض جوانبه.