هناك في المدينة المنورةِ بسيدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمضيت وجملة من المهتمين بعلوم الجزيرة العربية، ليلة علمية راقية، ملهمها السيد أمين عبدالله مدني، عبر جائزته، رحمه الله، للبحث في تاريخ الجزيرة العربية، في دورتها السادسة، والتي جاءت بعد انطلاقة مباركة بدأت قبل 24 سنة..
لا يمكن لمن يريد أن يكتب عن الجائزة، أن يغفل التنويه عن الإيمان العلمي لصاحب الجائزة، رحمه الله، بأسبقية الجزيرة العربية، وأن للعرب في ماضيهم القديم شأنا أكبر بكثير مما كانوا عليه في جاهلية ما قبل الإسلام، وأن للجزيرة العربية فضلا في نشر العقائد، واللغة، والحضارة، وتطوير فن الملاحة في البحر الأبيض المتوسط، والسبق إلى حياة التمدن والاستقرار، ولا مجاملة لو ردد المهتمون أن عالمنا الكبير، رحمه الله، قد دخل التاريخ من باب الولاء لأمته العربية المسلمة، وأنه نمط مختلف عن معاصريه المهتمين بالعصور الإسلامية الوسطى، مع غيرة شديدة على التراث، وحرص بالغ على أن تستعيد أمته المستهدفة خطاها نحو الصدارة..
حفل الجائزة، الذي سعدت بحضوره الأربعاء الماضي، كان فرصة لتعليم المجتمع، كيف يمكن للأبناء أن يبروا والديهم بعد وفاتهم، وكيف يمكن أن يخلدوا أسماءهم في صحائف التاريخ، بطريقة علمية، خيرها لا ينقطع، وليست بطريقة (مسجد فلان، تبرع ببنائه أبناؤه فلان وفلان)، التي تتعارض مع الفهم الصحيح لحديثه صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، وهنا أجد نفسي مدينا بشكر أبناء السيد أمين مدني، وأحفاده، وأسرته على هذا الحرص المطرد، على أن تكون بصمة عميدهم حاضرة، وأجره مستمرا..
الحفل كان فرصة جميلة، للاستماع إلى كلمات الفائزين بالجائزة؛ الدكتور عبدالرحمن بن محمد الطيب الأنصاري، رائد الآثار الأول بالمملكة، والدكتور سعد بن عبدالله الصويان، الباحث المتميز في علم السلوك الإنساني ـ الأنثرو بولوجيا ـ اللذين استحقا تهنئة جميع من حضر على حصولهما المستحق على الجائزة، والاعتراف لهما بالمكانة اللائقة بهما؛ واستوقفني إعجابا قول الدكتور الصويان: «نريد إبراز الجانب الإنساني المشرق والنقيض لتلك الصورة النمطية، الجانب الأنيق الذي يحب الحياة، ويقبل على مباهج الدنيا، وما فيها من متعة وفرح؛ إن من واجبنا أن نعرف العلم الخارجي على الجانب الإنساني من ثقافتنا، واقعنا الحقيقي البهيج المترع بالفن والأدب والذوق الرفيع وحب الحياة، والمغاير لتلك الصورة التي تحاول القوى الظلامية إلباسنا إياها، أو فرضها علينا»، وهي كلمات تستحق أن نتوقف عندها؛ فكل من منحه الله عقلا يعلم أن فهم الظلاميين القاصر للدين لم يخدم مصالح الناس، وأن العصبية للذات، والانتصار للنفس أمراض فتاكة، وأن أيسر طرق علاج معضلاتنا الفكرية تتمثل في التبشير لا التنفير، والبعد عن التوجهات المسبقة، والمواقف الشخصية، وعلينا أن ندرك أن المستقبل لن يسع إلا من يملك نظرات انفتاحية وتسامحية مع كل البشر.