في الحقيقة، إنني لا أجهل الفكرة التي سأكتب عنها مقالا، لكني أفكر كثيرا في كيفية تلقي القارئ لما أكتبه. هذا الأمر يشغلني أكثر من اللازم. لم أكن لأهتم في السابق بوجهة نظر القراء لأي من مقالاتي، وعلى أي منحنى يمكن لهم فهم ما أتطرق إليه، لكني الآن أشعر بكثير من الخوف، على الرغم من أنني التي لم تكن تعرف يوما معنى التردد، حتى تمنيت لأيام أن أفكر عشر مرات قبل أن أفعل شيئا ما، قبل أن أقرر أداء واجب ما تجاه أحد ما. إنني حتى هذه اللحظة ما زلت أسأل نفسي كيف استطعت المغامرة -على سبيل المثال- والذهاب بكل جرأة ودون تفكير لإجراء عملية تصحيح النظر؟ غير عابئة بأنه من الممكن لمثل هذا النوع من العمليات أن يكلفني فقدان بصري. هذه الجرأة غير الاعتيادية لم أرتح لها الآن، لم أعد أسعد بأنني أجيب دوما على الفور بـ«لا» أو «نعم»، كنت أتمنى لو استطعت تأمل مفرداتي أكثر من المعتاد، لو توقفت عن الركض المضني، لو كنت أكثر ولاءً لذاتي وأقل قسوة، ذلك الرفض الصارخ متعب جدا، لا يمكن للنفس احتمالها حينما تصرخ بكل قوتك بـ«لا»، ولا تندم حتى وأنت تكتشف أنه كان يجب عليك أن تقول «نعم».
بعد هذه المقدمة التي كنت أحاول فيها تبرير ما سأكتبه، هل سأكون على صواب أم أنني أجاور الخطأ؟ هل سيفهمني القارئ الذي اعتاد قراءة مقالاتي؟ إذًا لماذا أشعر بالتردد؟ أعرف جيدا ما السبب الذي يجعلني لا أطرق الفكرة على الفور، لا أريد أن أكون خليطا من العنصرية للدم والقبيلة، ولا أود أن أكتب بشكل جيد، وأن أعبر عن فكرتي كما يجب، وأن يفهم الآخرون أنني لا يمكن أن أتعمد إقصاء هوية على حساب أخرى، وأنني لست من مراهقات «إنستجرام». هؤلاء الذين يجدون خلاصهم الوحيد في شتم عدد من الجنسيات العربية، وامتهان كرامة الآخر، والشعور بالعنترية وهم يطلقون وابلا من الرصاص العنصري ضد الآخر، لأنه من البلد الفلاني أو من الدولة الفلانية، ولا أود أن أقارب حتى جموحهم المتعطش لهويتهم الأولى. قبل أسابيع بالمصادفة البحتة، وأشدد على أنها مصادفة، لأن متابعة أي برنامج على شاشة التلفزيون أجده تفضلا مني، فبعض البرامج مهمتها تحويل المشاهدين إلى أغبياء، أو التعامل معهم على أنهم مجرد كائنات تسمع وترى، لا أكثر من ذلك ولا أقل، لذا، فأي برنامج أحرص على متابعته فهذا يعني تفضلا من وقتي ومن فكري لمتابعته، فلا شيء يستحق المتابعة في الوقت الآني. البرنامج كان قد استضاف شابة عذبة وشديدة الرقة والحياء، ومثقفة أيضا ومذيعة، وتقدم برنامجا يوتيوبيا لم أسمع به من قبل، لكن المذيعة أشارت إلى أن برنامج الشابة قد حاز على شهرة وجوائز، وأيضا هذه الشابة قد أصدرت لتوها رواية رأيتها في سوق الكتب. من ضمن الأسئلة التي طرحتها المذيعة عليها، كيف لها أن تظهر الآن على البرنامج دون غطاء للرأس أو عباءة، في حين أن البرنامج اليوتيوبي الذي تقدمه ترتدي العباءة وتغطي شعرها؟، فقالت إنها يمكن أن تفعل ذلك، أي ألا ترتدي العباءة وألا تضع غطاء الرأس، ولكنها تحترم أن البرنامج يقدم من السعودية، ومن وجهة نظرها أن عليها أن تلتزم بارتداء العباءة. رغم حرج الشابة من السؤال، إلا أنها قاومت أي انزلاق لفظي يمكن أن يؤخذ عليها.
عقب تلك المقابلة، اكتشفت أن الشابة ليست سعودية، وأنها تحمل جنسية عربية، وكنت أود لو أنها أشارت إلى ذلك، حتى يتفهم المشاهد سبب الحرية التي تتنفسها، فالحريات في دول الخليج مقسمة ومختلفة، وكذلك الحرية في الدول العربية تختلف من بلد إلى آخر.
هل من المهم أن نعرف إذا ما كان هذا المذيع سعوديا أو غير سعودي؟ نعم، من المهم ذلك، ومن الأفضل إعلان الجنسيات لأسباب متعددة تتعلق بالصورة التي يخرج بها هذا الإعلامي أو المثقف أمام الجمهور.
لقد عانت الكويت لسنوات عدة وحتى الآن، من أن كثيرا من الفنانات اللاتي ظهرن على شاشتها منذ ستينات القرن الماضي، لم يكن يحملن الجنسية الكويتية، وكانت تصرفات البعض اللاأخلاقية تضع الكويتيين في موقف حرج للغاية، وها نحن الآن نعاود الكرّة ذاتها.
عدد ليس بالهين من الإعلاميات لا يحملن الجنسية السعودية، ولكن لأنهن يعشن في السعودية، فالجميع يعتقد أنهن يحملن الجنسية، وتنعكس تصرفاتهن على أنهن يمثلن المجتمع السعودي.
المذيع اليمني بدر صالح، ظهر في مقطع يقول فيه: إنه لم يقل يوما بأنه سعودي، لكنه في مقابل ذلك لم يقل يوما: إنه يمني، وترك الأمر دون توضيح حتى بعد أن كانت الإعلانات التي يشارك فيها تقدمه على أنه إعلامي سعودي. ظهوره الأخير وتوضيحه ليس شجاعة على الإطلاق، وإنما هو اختيار الوقت الذي يقول فيه الحقيقة.
في ظل الانفتاح التقني الذي نواجهه اليوم، وسهولة التصوير والنشر، أعتقد أن علينا أن نسعى للتعريف بالجنسيات، ولا عيب في هذا، ومن يخجل من الاعتراف بوطنه الحقيقي فهو لا يستحق أن يحظى بالاحترام، ولكن حتى تتفهم المراهقات الصغيرات أن الصور التي تراها لعدد من الإعلاميات عبر «إنستجرام» و «سناب شات» ذلك الانفتاح المذهل لا يمثل الواقع الحقيقي لمجتمعنا السعودي.