يحكى في عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله، أن أرملة جاءت لشيخ قبيلة جهينة، تسأله بالله أن يسعى لفكاك ابنها من السجن، فاستعان بالله، ودخل على الملك في أواخر شهر رمضان، وهو يحمل هم الإجابة وقبول الشفاعة، لامرأة كان لا يعرفها، ولكن يعرف أن لا عائل لها سوى ذلك الولد. فلبى الملك طلبه ومن هول الموقف وشدة فرحته، يقال إنه نسي اسم ابن المرأة، فأعاد على الملك طلبه بالعفو عن جميع المساجين، ليقضوا العيد مع أهاليهم، فاستجاب الملك عبدالعزيز، بإخراج كل من ليس عليه حق في دم أو لغارم، وعفا عن جميع المساجين. ليطلق على الشيخ (سعد بن غنيم الجهني) منذ ذلك الوقت لقب (فكاك المساجين) رحمه الله، ليسن بذلك سنة حسنة، بالعفو عن المساجين كل رمضان، اتبعها واستمر عليها أبناء الملك المؤسس إلى هذا الوقت.

 والدرس الذي من الممكن أن نتعلمه من قصة فكاك المساجين أن من أراد أن يساعد أو يقدم الخير للناس فليفعله للجميع. وإن كان رجل واحد قد نجح بفطنته في سن سنة حسنة ما زالت تتبع إلى زمننا هذا، فوزاراتنا الضخمة بعدتها وعتادها، تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك، فقط لو كانت ترغب.

فبعد أن اُحبطنا كثيراً، من طول الوقت الذي تستغرقه بعض الوزارات، للخروج بقرارات تخدم الناس.

جاء يوم بغتة، ليفاجئنا بكمية المرونة والتجاوب غير المسبوق، من وزارتين، حين اجتمع وزير العمل ووزير التعليم ووكيل جامعة الملك سعود، ليعقدوا تعاونا جبارا ومتينا، من أجل هدف سام ونبيل، يعني مساندة ودعم رياضيي النخبة، وإزالة جميع العراقيل التي من الممكن أن تعترض طريقهم، وتعطلهم عن الاحتراف، وذلك بتوقيع مذكرة تفاهم مع التعليم، تمنح فيها الرياضيين الأفضلية في القبول في الجامعات، وتعطيهم مواعيد مرنة للاختبارات، وتوفير طرق ملائمة تضمن تفرغهم للتدريب والاحتراف، في وقت كان قد اُعلن فيه، خفض نسب القبول في الجامعات، وإلغاء مكافآت الامتياز.

 في نفس هذا الوقت، كشف نائب رئيس اللجنة الأولمبية أن الدعم السنوي الذي سيقدم لرياضيي النخبة يصل إلى 25 ألف ريال للناشئ و150 ألف ريال للمحترف. فيما سيحصل من يحقق ميدالية ذهبية في الأولمبياد على 1.5 مليون ريال، ويحصل صاحب الفضية على مليون ريال، وصاحب البرونزية على نصف مليون ريال، وفي مكافآت دورة الألعاب الآسيوية سينال صاحب الذهبية 750 ألف ريال، وصاحب الفضية 500 ألف ريال، وصاحب البرونزية 250 ألف ريال، أما في (بطولات العالم أو البطولات الآسيوية) فسينال صاحب الذهبية 350 ألف ريال والفضية 250 ألف ريال، والبرونزية 125 ألف ريال.

والمفاجأة المدهشة في هذا الاتفاق الرياضي، مذكرة التفاهم الخاصة بوزارة العمل، والتي وعدت بتقديم خدمة لم تقدمها لأي تخصص من قبل. حيث ستحسب لأي منشأة توظف وتدعم رياضيا واحدا من النخبة بأربعة موظفين في برنامج نطاقات. لترسل رسالة مفادها أن توظيف الرياضي الآن أهم من توظيف أربعة أشخاص يعيلون أربعة أسر. لتضفي بذلك وزارة العمل على السعودة الوهمية طابع الرسمية. لأن الرياضي بطبيعة نشاطه سيكون متغيبا ليتفرغ لتدريباته. لتعود فائدة توظيف الرياضي، على المنشأة ويحسب لها النظام، بأنها وظفت أربعة سعوديين، والحقيقة مغايرة لذلك. ولا يهم إن كانت تلك الاتفاقية ستزود الوزارة والدولة، بقراءات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مضللة. والأهم أننا أصبحنا شهودا على أن بعض الأنظمة الحكومية تستطيع أن تكون مرنة للغاية، لدرجة لم نكن نتصورها، إذ وصلت لمرحلة لا تحتاج لعرض على مجلس شورى أو لجان لدراستها، فقط لمسؤول واحد لإقرارها.

ولكن كيف ستتوقع وزارة العمل تقبلنا كمواطنين وباحثين عن وظائف، لاتفاق مثل هذا، دون أن تقدم شيئاً بالمثل لبقية التخصصات. وكيف أبدت ذلك التفهم لضرورة وجود رياضيين محترفين، ولم تتفهم الحاجة الماسة لوجود الطبيب والمعلم والمهندس والعسكري لمجتمعنا!

 لا يمكن أن تدّعي أي وزارة عملية تبني قيم التطوير والتحسين لخدمة تخصص أو قطاع، بينما تلغي جميع تلك القيم أمام احتياجات شعب ينتظر الكثير من المعلم والطبيب والمهندس والممارسين الصحيين والعسكريين وأصحاب بقية التخصصات. الذين لم يجدوا دعماً مماثل لتحفيزهم وتشجيعهم سواء من قبل التعليم أو العمل أو حتى وزارة الصحة. فمن سيخدمنا في النهاية أصحاب هذه التخصصات وليس الرياضي.

ربما تأخرنا كثيرا في إعارة الانتباه للرياضة العالمية وألعاب القوى، والدخول في عالم الاحتراف، ولكن هذه المسؤولية، تقع على عاتق مسؤولي الرياضة التي اختطفتها كرة القدم.

نحن لسنا ضد الرياضة بل ضد هذه الانتقائية، في أن تُخلق الظروف والتسهيلات المناسبة التي تحتاجها الرياضة والرياضيون، وتغلق أمام تخصصات الباحثين عن العمل، والتعمد المستمر في تجاهل أصواتهم التي تنادي بالعدل والإنصاف.

 القيم من أهم الأساسيات في حياة الإنسان، والتي من شأنها أن تصنع ثقلا محسوسا لهويته. فلا تقبل التجزئة بأي شكل من الأشكال وأي محاولة لتجزئتها أو تقسيمها حسب المصلحة تسقط معها قيمة الإنسان.