قابلتها بالصدفة، وهي عائدة من مؤتمر في أكسفورد عن التعليم، بعد عام من حصولها على درجة الدكتوراه في القيادة التربوية، وعودتها إلى المملكة. سألتها ماذا حدث وأين أنت الآن؟ فقالت: قضيت عدة ساعات في إدارة التعليم، حتى يقرروا ماذا يفعلون بي، فبعد فوزي بمقعد الابتعاث، الذي وضع أساسًا بناء على خطة احتياج، وحصولي على درجة الدكتوراه، وعودتي ثبت لي أنَّهم حائرون أين يضعونني، وبعد ساعات جاءت مشرفة شؤون المعلمات، وسلمتني ورقة المباشرة في ثانوية، لكني استوقفتها، وقلت: أنا تخصصي رياضيات وعلوم المرحلة الابتدائية، ولي أكثر من ثماني سنوات في تخصص الإدارة التربوية؛ على الأقل أعطيني مباشرة في مدرسة ابتدائية. المشرفة هزت رأسها وقالت لا يليق يا دكتورة بك مدرسة ابتدائية، قلت: لا بأس أنا أعرف أن ما يليق بي هو ما لديَّ على الأقل ما أعطي فيه، لكن المشرفة أصرت.
غادرت زميلتي إلى الثانوية، وجلست بين يدي المديرة التي انشغلت باتصالات بكل جهة في التعليم، وهي تقول ليست معلمة كيمياء ولا فيزياء ولا أحياء، ولا علاقة لها بمنهج الرياضيات في المرحلة الثانوية، ماذا أفعل بها؟
تقول: فلما انتهت رفعت لها رأسي، وقد أغرقت عيناي وجهي بالدموع، فوجدتها تقوم وتعتذر، ليس ذنبي، لكن من أجل المباشرة، داومي واحضري حصص الاحتياط..
قالت الزميلة في الليل، كان كل من يعرفني لديه خبر بما حدث لي، لأتلقى عرضًا من جامعة أهلية براتب كبير، وتأمين طبي، وعدة مزايا لم أكن لأجدها في التعليم العام، وفي الصباح ذهبت إلى المديرة، فمنحتني مباركتها على إجازة من غير راتب، وذهبت بها إلى شؤون المعلمات، فطارت بها الموظفة حتى حسبتها ستزغرد.
أحد المبتعثين سابقا والمشرف في الأساس، أرسل لي أنه بالواسطة عاد لعمله كمشرف، لأن مدير التعليم أمر أن يخضع كغيره للمفاضلة والترشيح عند وجود شاغر في الوظائف القيادية والتدريب، قال: إنهم أعطوه درجة سيئة في المقابلة الشخصية لم يكن يتوقعها، ولا يدري لماذا، حتى تدخل زميل له سابق، أصبح قياديًّا، وأحضر له خطابَ تكليفٍ، فقلت له: لقد أخطأت؛ إن المقابلة الشخصية فخ كبير، فمن سيقابلك هو شخص سيعلم أنك ستنافسه مستقبلًا، ولن يرغب في وجودك، فكيف يرغبون بشخص أعلى درجة منهم، ولأنه تقييم من شخص أقل منك في الدرجة العلمية، هذا أيضا مخالف لأنظمة الخدمة المدنية فكيف قبلت به.
هذا مجرد نقل لواقع طرد الكفاءات وحثها على الذهاب للجامعات، بينما التعليم العام يحتاجها وبشدة، خاصة أننا مررنا بتجارب مريرة مع أساتذة الجامعات، الذين يأتون من تخصصات لا علاقة لها بالقيادة التربوية، أو تقويم التعليم، ويقومون بقيادة وتقويم التعليم العام، بل فرض خبرتهم الجامعية على بيئة المدارس، وهذا ما يحدث كل هذا الهدر في المال والجهد.
إن ما سبق هو مجرد مثال بسيط على سبب انتشار روح السلبية، وعدم الرضا في داخل الوزارة، وهو أمر لا يحتاج لدراسات لقياسه، بل تخبر به أرقام مقدمي التقاعد المبكر، وأرقام الغياب والغضب، لعدم تعليق الدراسة، كلها مؤشرات تعبت وهي تخبرهم أن هناك خطأ ما.