بعد ستة عشر عاماً من الغياب، فضّل خلالها ألاّ يطبع مجموعة شعرية أخرى بعد ديوانه الأول "الجمر ومفارش الروح" (دار الأرض – بيروت - 1993)، يعود الشاعر والإعلامي محمد عابس بديوانه الجديد "ثلاثية اللذة.. والموت" الصادر عن "دار الكفاح للنشر والتوزيع" (الدمام – 2010).
عابس أكد في تقديمه للديوان أن عدم طباعة شعره خلال الستة عشر عاماً الماضية يرجع لأسباب منها: "الإحساس بالتشبع، وعدم الشعور بجدوى الطباعة في عالمنا العربي، الذي لا يقرأ، إلاّ في حالات لا يقاس عليها" – على حد قوله. غير أن شعوره بثقل ما لديه من تجارب شعرية تتراوح بين التناظري والتفعيلي والنثر على كاهله، جعله يتحمس لإظهارها للنور، على الرغم من نشر عدد كبير منها في الصحف والمجلات.
الديوان الذي جاء في 100 صفحة من القطع الوسط، وضم 27 قصيدة، أهداه الشاعر إلى: "عالم الشعر الذي أباح لي عوالمه دون شروط، إليه وهو يشرع أبوابه لجنوني، ومشاكسات مفرداتي.. إليه وأنا أحلق به في سموات، تتأبى على غيري، وتمد ضفائرها لي.. إليه وأنا أنقش في جدران الكون تجاربي المتمردة، وأنثر في فضاءاته سؤالاتي بحثاً عن أجوبة لا تشبه الإجابات الجاهزة.. إلى القارئ الباحث والمختلف، أهدي ديواني، عله يرسم ملامح الشك، وأيقونات التساؤل، وطعم الاكتشاف".
قصائد الديوان جاءت حافلة بالمرارات والبوح الإنساني النبيل، ذلك البوح الذي يتحول إلى وخزات مؤلمة تحاول إيقاظ الضمير الإنساني من غفلته أو غفوته، أملاً في عالم أفضل.
هكذا الشعر حين يأتي على لسان شاعر حقيقي يدرك تماماً أثر الكلمة ووهجها وقداستها، ومن ثم يحاول كما يقول عابس أن يرسم ملامح الشك، وأقونات التساؤل، وطعم الاكتشاف.
كثير من الشعر في عصرنا هذا لا يحمل من هذا الإحساس شيئاً، هو فقط مجرد كلام في كلام، ساكن كالموتى، أربابه يدورون في كل اتجاه، يوهمون أنفسهم بأنهم قدموا شيئاً، ويحاولون إيهام الآخرين بأغلفتهم البراقة والأنيقة، بينما المحتوى هزيل باهت صامت ساكن كأغصان ذابلة!.
عابس قدم في "ثلاثية اللذة.. والموت" ما يحفظ للشعر رونقه، وما يعيد للكلمة بريقها وللمعنى عمقه الدلالي المحرض والمثير بعيداً عن إشكاليات الكلاسيكية والحداثة والشكل الكتابي للقصيدة، وربما هذا ما يجعل لعابس صوته الخاص والمميز، وتلك غاية أخرى لم يدركها بعد معظم المختلفين حول (قشور) القصيدة، أولئك الذين مازالوا يتفننون في تصنيفها، غير عابئين بـ(ماء الشعر) وألق العبارة ودلالتها!.