لا تظنوا أن فتوى تحريم التلفاز أصبحت جزءا من الماضي، إنها فتوى ما زالت طازجة حتى هذه اللحظة، لكن بتشكلات أخرى، فما زال العقل الذي أصابته دهشة التلفاز مما دعا المرأة إلى تغطية وجهها في أول لقاء لها بشاشة التلفاز خوفا من نظرات مقدم الأخبار، هذا الإحساس البدائي أمام حداثة (سحرية) ما زال تحت رماد الإلف والعادة والتكيف، لتراه فاقعا بين حين وآخر، في تصفية حسابات أيديولوجية شنشنتها من كل التيارات الخزماء أصبحت مكرورة ومملة، لكنها تستعيد طزاجتها عبر المواليد الجدد الجاهلين بميلاد مكرور لما تصف ألسنتهم

(هذا حرام)، لتصبح وشما ظاهرا على جسدنا الاجتماعي عبر عقود طويلة، وهو أولى بالنظر والتأمل والدراسة والتحليل، وليكن تحت عنوان (الفتوى الموشومة) كوشم تجذر بالحديد والنار على جسدنا العربي طيلة تاريخنا بدلا من (الليبرالية الموشومة) التي تشبه وشم الحبر الورقي نلصقها بقطرة ماء، ونغسلها بقطرتين.

(الفتوى الموشومة) خلقت فصاما نفسيا واجتماعيا تراه أمامك بشكل يومي، لاثنين يتحدثان كما يلي: هل رأيت القناة الفلانية ومسلسلها غير الأخلاقي الذي لا يرضاه مسلم لعائلته، فيجيب: نعم رأيته، وأرجو ألا تكون فاتتك الحلقة الأخيرة لأن فيها ما يؤكد كلامك، فيرد الأول: لكن المسلسل المكسيكي الذي ظهر على قناة كذا كان أهون من هذا المسلسل، فيرد الثاني: هذا غير صحيح، فرغم أنه فاتتني متابعته بشكل جيد، لكن زوجتي أخبرتني بأن الحلقة رقم تسعين حصل فيها حدث درامي فظيع يؤكد أن المسلسل المكسيكي أشد فظاعة من المسلسل الذي تتحدث عنه، وكل هذا محاربة لله ورسوله ولعاداتنا وتقاليدنا العظيمة، فيرد عليه صاحبه: إذاً فلا تفوتك دعاية المسلسل الجديد، ففيه شواهد كثيرة على ما نتحدث عنه، ليرد صاحبه: وكيف يفوتني وعندي جهاز تسجيل مؤقت أحدد به وفيه كل مسلسل أتابعه ليقوم بحفظه إن لم أكن موجودا، ثم ينتقلون فجأة بسؤال: هل سمعت بالحفلة الغنائية التي ستقام بالمنطقة الفلانية، فيجيب الأول: نعم سمعت وقد ساءني هذا والله، فنحن نخاف من هذه التغيرات المخيفة على ديننا وعاداتنا وثقافتنا، ولكن لا عليك فالتذاكر غالية لحضور هذا الحفل، وهذا سيحول دون حضور الناس، فيرد عليه صاحبه: لقد نفدت التذاكر، فيجيبه: يا لهم من حمقى كل أغاني هذا الفنان محفوظة عندي على جهازي الجوال في ذاكرة خاصة، ثم يخرج جواله ويسمعه أحد مقاطع الفنان (صاحب الحفلة) ليتحولوا في نفس الجلسة إلى نقاش فني عن أحلى أغانيه لحنا وأحلاها كلمات، وكيف أن اللحن دعم الأغنية الفلانية لهذا الفنان رغم كلماتها الضعيفة، والعكس في الأغنية العلانية.... وهكذا.

تتأمل هذا الحوار اليومي لمجتمع يعشق الفنون بأنواعها شعرا وغناء وموسيقى ومعارض تشكيلية وفوتوجرافية ومتاحف، لا يملون ترديد الأهازيج منذ ميلادهم وحتى مبلغهم من العمر عتيا، ليصدق عليهم كلمات محمد زايد الألمعي (أصواتهم خلف صوتي، وحزنهم ملء لحني، يرددون الأغاني، ويقتلون المغني)، فإلى متى (الفصام النفسي) لمن يرددون الأغاني ويقتلون المغني.

عزيزي المشاهد لا تخف من التلفاز وما فيه، عزيزتي المشاهدة لا تكوني مثل جدتك قبل سبعين عاما عندما غطت وجهها خوفا من رؤية المذيع لها، عزيزي المتابع للقناة الإسلامية التي لا يظهر فيها سوى الرجال دون النساء، تذكر أن غض البصر في الآية خاص بالرجال والنساء على حد سواء، وأقترح عليك التزاما بتقواك أن تمنع هذه القناة على النساء في البيت، فكما منعت نفسك من رؤية النساء في القنوات (غير الإسلامية) خوفا من الفتنة، فعليك وفق فقهك الديني منع نسائك من مشاهدة الرجال في هذه القناة، وإن كنت رجل أعمال إسلاميا فأنصحك بافتتاح قناة خاصة بالنساء تكون فيها المذيعة منقبة، ولا تخش شيئا ستجد سوقا رائجة لك، لكن كيف للمذيعة المنقبة أن تختلط بالرجال في الأستوديو من غير محرم؟ لا يهم القطيع لا يفكر، لكنه سيدافع عنك ويدفع لك.

أخيرا إياكم ثم إياكم أن تدخلوا بأقدامكم أعتاب القرن الواحد والعشرين، وعقولكم وقلوبكم ما زالت في القرن العاشر، رغم أن القرن العاشر كان فيه من التعددية ما ليس عندكم في زمنكم هذا، مما يجعل المراقب والمتأمل يدرك أن الحاصل فيكم وبكم ليس سوى طفرة نفطية صنعت طفرة أخلاقوية إسلاموية معلقة في الهواء، لا هي إلى السماء ولا هي على الأرض، سمَّاها أصحاب الفكر (بتروإسلام)، ونرجو من رؤية 2030 أن تعالج كل ذلك وتستدركه لنستعيد إسلامنا من أيدي (الإسلاميين)، فنحن (مسلمون) أجدادا وأحفادا قبل أن يفد علينا مرضى الاستعمار والاستبداد من دول الجوار، فيأخذون خير نفطنا، يتمددون به على حسابنا، ويعطوننا أمراضهم يزرعونها في عقول أبنائنا، يكفينا صراع الإسلاميين في الأسواق العالمية عبر (إسلام السوق) وفي الأسواق الداخلية عبر (إسلام العادات والتقاليد)، كونوا مسلمين تحت كل سماء وفوق كل أرض، وستعرفون الفرق بين المسلم والإسلامي، فالمسلم سليل التجار العرب القدامى من المسلمين الحضارم الذين بسببهم دخلت معظم شرق آسيا في الإسلام، أما الإسلاميون فيشبهون من ترونهم في التلفاز لهم في كل لحظة (فتوى موشومة)، مع الاعتذار لناقدنا الكبير على استعارة (مصطلحه/‏ وصمته) التي وصم بها من لا يستحق، لكنه -كما هو دائما- بارع وفاتن في تفكيك (البردعة)، لكنه لا يقترب من البعير، وله في ما سلف من حياته واسع العذر، فكل صاحب حكاية سيكون هو بطلها، وقد أدرك عد العصي، فكان حافظا لعددها، ذاكرا لها، ماهرا في الالتفاف عليها، ولكن من عدها ليس (كبعض من ذاقها)، ومنهم من لم تعد له الدكتوراه حتى هذه اللحظة.