في حركة التغيير، دائما ما تقف النفس البشرية إلى جوار خياراتها التقليدية، وتألف الوجوه التي اعتادت على وجودها ورؤيتها، دون أن تنظر هذه النفس إلى صيرورة الزمن، ودون أن تحاكم الفوارق الطبيعية بين زمنين متباعدين.

قادنا العظام من أبناء الإمام الباني الموحد المؤسس بكل كفاءة، حتى عبرنا مرحلة تاريخية لا تتكرر في تاريخ الدول والشعوب، وكانوا مثل الجبال والأوتاد رواسيا على كل مفصل جوهري في إدارة الدولة الكبرى، ملوكا كانوا أم أمراء في مناصب مختلفة.

مَن بيننا اليوم من الجيل الصاعد الشاب الذي سيتخيل أن شابا صغيرا مثل فيصل بن عبدالعزيز «ولد يوم معركة روضة مهنا»، سيكون قائد الفتح المبارك لانضمام عسير في سن السابعة عشرة؟، مَن الذي سيذهب به الخيال إلى صورة سلمان بن عبدالعزيز داخلا إلى إمارة الرياض في سن أقل من العشرين، ثم يأخذ هذه المدينة إلى مقارعة دالاس وهيوستن الأميركيتين؟.

نعم، سأقولها بكل وضوح: نحن ننحاز بعاطفة الحب والولاء إلى أبناء الإمام المؤسس، ونحمل لهم دَينا تاريخيا من العطاء والبناء والأمن والاستقرار، ولكن: علينا أن نواجه حتمية الزمن وصيرورته من أجل أن نبقى وطنا عملاقا، كما خُلق هذا الوطن للمرة الأولى.

هذا بالضبط ما فعله خادم الحرمين الشريفين في قراراته التاريخية مساء السبت الكبير، وهو يزف كوكبة كبرى من أحفاد الإمام، بل ومن أسباطه، إلى كثير من إمارات مناطق الدولة.

نحن إذًا أمام تأهيل تاريخ لرجالات الجيلين الثالث والرابع، والشجرة الكبرى تظهر ثمارها لتنتج بذورا من جديد، من أجل الحياة والخضرة والاستدامة.

هذا هو بزعمي أهم القرارات الإستراتيجية من بين كل بشائر تلك القرارات الملكية المبهجة التي دامت قراءتها أكثر من ساعة.

وُلد الأمير سعود بن خالد الفيصل، في أبها، ودرس كل تعليمه العام مع شبابها في مدارسها، ومن المؤكد أنه ما زال يسترجع كفاح أبيه في منطقة كانت بكرا وفقرا من التنمية.

واليوم، يأتي إلى عسير الأمير منصور بن مقرن، شاب متعلم في الأربعين من العمر، بعائلة صغيرة أكبرها طفلة في الخامسة من العمر، ومثلهما أيضا الأمير أحمد بن فهد بن سلمان، الذي كبر وتعلم في مدرسة سلمان بن عبدالعزيز، وهي تبز جامعة إدارة متخصصة، والمساحة هنا لا تكفي ولو لأخذ الدرس من جملة واحدة في السيرة الذاتية لكل هؤلاء الشباب الأمراء الذين سيذهبون مطلع الأسبوع القادم إلى مكاتبهم الجديدة، من شمال الحدود إلى جازان ونجران، ومن الدمام حتى مكة المكرمة.

نحن اليوم، وفي رأيي، على مشارف ولادة الدولة السعودية الرابعة، بكل ما سيبثه هؤلاء القادمون إلى مشروع الوحدة السعودية الأسطورية، من تحديث وتشبيب وطاقة دفع متجددة.

هؤلاء كانوا ضرورة قصوى ومُلحّة من أجل فهم أجيالهم الشابة التي تشكّل النسبة الطاغية من سكان هذا الوطن.