شايع رجل فاضل لا يسيء الظن بأحد من الناس حتى تثبت إدانته ، قلبه أخضر ، ونظرته إلى الحياة مليئة بالأمل والتفاؤل ، الحياة في نظره بسيطة وعلينا أن نضيئها بالصباحات المشمسة ، قابل صديقه الحميم فايع الذي يمتهن التعليم منذ زمن طويل ، ويشعر أن ضحكات صغاره وتلاميذه في المدرسة التي تشبه حبات الندى وأسراب الحمائم ، هي التي تربطه وتشده إلى هذه المهنة الشاقة والتعب الجميل ، ولكن فايع لم يكن كما تعوده صديقه شايع فقد لمح في عينيه مدارات من الحزن ، وصحارى من الانكسار واليأس والإحباط فسأله عن سر هذا التحول العجيب ، بعد أن كان صاحبه بحيرة عطر تفوح بالفرح ، وساقية ضوء لا تكف عن الثرثرة ، فقال فايع : كنت أشرح لصغاري في المدرسة قصة أصبحت فريدة ونادرة في هذا الزمن الرمادي الكالح ، ومن خلال سرد تفاصيلها ستعرف سر حزني وسبب ألمي وضجري تقول القصة : كان الكسائي معلماً في قصر هارون الرشيد الخليفة العباسي الذائع الشهرة ، وكان يعلم ابنيه : الأمين والمأمون ، وانتهى من درسه يوماً فاستبق التلميذان إلى نعليه ، كل يريد أن يكون له السبق في تقديمهما إليه ، واختلفا ثم اتفقا على أن يقدم كل منهما واحدة له . ومضى الأمين والمأمون إلى القصر وعلم الرشيد فطلب الكسائي ، فلما مثل بين يديه سأله : من أعز الناس؟ قال الكسائي : لا أعلم أعز من أمير المؤمنين ! فقال الرشيد : إن أعز الناس من يتسابق على حمل نعليه وليا عهد المسلمين ، فأخذ الكسائي يعتذر خشية أن يكون قد أخطأ ، فقال الرشيد : لقد سرني ما قاما به . انتهت القصة يا صديقي ، وقد قمت بشرحها لتلاميذي وإظهار ما فيها من معان أخلاقية وسلوك نبيل ، وتذكرت في حينه المثل البلغاري ( لا تثق بشمس الشتاء ، ولا بقلب المرأة ) وأضيف ولا بتلاميذ هذا العصر الفاجع والجارح . قال شايع : وهل تظن أن هذا النموذج قد انقرض وأصبح كأنفاس السراب ؟ فرد فايع : نحن لا نريد أن يحملوا أحذيتنا ، بل يكفوا أحذيتهم عنا ، فقد أصبحت أشم في المدرسة رائحة الموت ، وأرى الدم المهراق ، ومطارق العنف ، وحماقات الحياة . لقد أصبح المعلم كطير المساء ، وطرائد البيد ، تلف حوله حبائل العجز والقهر ، وضواري المهانة . فلم تنفعه لعبة الصبر ، ولا تعاميم الوزارة ، ولا هذيان التربويين ، ولا بلادة بعض الآباء وغطرستهم ، ولا عورات التجريب وطلاسمه . حقاً لقد أصبح صراخنا كرنة الصدى في بئر مهجورة ، وصدق أحد الشعراء المعاصرين أو المضروبين حين قال :

( قم للمعلم ) كذبة وكلام ..... هو قائم والآخرون نيام

عبثت به الأيام تأكل حلمه ..... وسواه تضحك حوله الأيام