تتحدث واحدة من قصص جلال الدين الرومي الرمزية عن «شخص رأى في ابنه شيئاً من البلادة، فاستودعه أقوى علماء عصره وفلاسفته. لعلّه يحظى بما يعالج بلادته ويرفع مقدار حذقه وذكائه. أراد بعد مرور بضع سنوات أن يرَ أثر أهل الحكمة على ابنه بعد ملازمته لهم فأجرى له امتحاناً بسيطاً. مدّ صرّة صغيرة بحجم قبضة اليد وطلب من ابنه التعرّف على ما بداخلها بعد أن خبّأ فيها أحد خواتمه. بادر ابنه إلى جسّها بيده، وسرعان ما قال: إنه شيء صلب.. إنه شيء مدوّر.. إنّه شيء أجوف!
استبشر الأب وقال له: لقد عرفت صفاته، فما هو؟ فأجاب الابن بعد أن فكّر قليلاً: لا بدّ أنّه غربال!»
لقد أحبط الأب بالتأكيد من بلادة ابنه الذي برع في معرفة الجزئيات، ولكنه عجز عن تشكيلها في صورة كليّة مرتبطة بالواقع، فغفل عن عدم اتساع قبضة اليد لشيء بحجم غربال.
تتوارد المعاني في قصة رمزية كهذه وتتوالد. فهناك من قد يقرأ فيها نقداً لطريقة متتّبعي النصوص الظاهرة الجزئية من مأثورات الدين، دون استيعاب لكامل مغزاه أو أسمى مقاصده وقيمه، فيتورطون في مصادرات عجيبة تفرّغ الدين إلا من القشور وبعض الأقوال الفقهيّة. كما من الممكن أن يرى فيها قارئا آخر تنبيهاً وتحذيراً من توغل الإنسان في تجاربه الحسية الدنيوية دون مراعاة لصبها في رؤية روحية يعلل بها وجوده وحركته المقدورة في هذا العالم.
لعلّ المنشأ الصوفي للقصة هو ما يدعو إلى توجيه قراءتها نحو مثل هذه المعاني، ولكنّ قضية استيعاب (الكلّي) قبل تتبع (الجزئيات) والانخراط في معالجتها، من الممكن أن نلمح خطر الإخلال بها على مستويات أبسط وأقرب مأخذاً سواء على صعيد حركة الأفراد أو المجتمعات.
من أمثلة ذلك ظاهرة انغماس بعض الأكاديميين في تخصصاتهم بشكل يؤدي إلى احتجابهم عن إدراك واقعهم، فضلاً عن خلاف ما ألفوه من المعارف الإنسانية، وهي الظاهرة التي انتقدها اللساني الأميركي نعوم تشومسكي في ما أسماه حالة (المتخصّص الغبي)، حيث يذهب إلى أنّ انكفاء بعض العلماء على حقولهم بهذا الشكل يسلبهم النباهة، ومقاومة انتهازية السياسيين واستغلالية الرأسماليين. وربّما من الأمثلة الشهيرة لما يعنيه، ما يشاع عن العلماء الذين عملوا في مشروع مانهاتن لتصنيع القنبلة النووية، حيث كان أغلبهم مقتنعا تماماً بأنهم يصنّعون سلاحاً لمجرّد الردع، وأنّه لن يستعمل نهائياً! ولا يخفى مدى سذاجة هذه القناعة التي سرعان ما بددت الأيام أوهامها بكارثة بشرية قد لا يمحى أثرها أبداً.
ما يصاب به الفرد على هذا النحو، من الممكن أن تصاب به المؤسسات كذلك، فمن أبرز مظاهر فشل الإدارات، ما ينتج عن غياب عمل مؤسساتها ضمن رؤية كليّة تشدها إلى الواقع، وتربطها بالغرض الناظم لجهودها. فتنخرط كل مؤسسة لحلّ مشكلاتها المطالبة بحلها صورياً دون مراعاة لعملها ضمن آلية أكبر. في حين أنّ الدولة التي تضع مؤسساتها في حسبانها صحة المواطن (على سبيل المثال) ولا توكل الأمر إلى وزارة للرعاية الصحية فقط، ستجني ثمرة هذه السياسة الإدارية في تخفيض نفقاتها على علاج رعاياها، وزيادة ناتجها الاقتصاديّ الناشئ عن صحتهم وشبابهم.
أخيراً، ربما من اللافت أن القصة التي ساقها لنا الروميّ لم تعد رمزاً أو افتراضاً. ذلك لأنّ طبّ الأعصاب أثبت وجود حالات مقاربة لحالة بطل القصة، ومنها ما حدّثنا عنه عالم الأعصاب (أوليفر ساكس) في كتاب عنوانه (الرجل الذي حسب زوجته قبّعة) وهو عنوان يشير إلى شخص مصاب بعطب دماغيّ نادر في مراكز الإبصار. فرغم أنه يستطيع رؤية المظاهر وتمييزها بشكل جزئي إلا أنه يعجز عن تجميعها في صورة كليّة تفيد معنىً مفهوما.
تأمّل ما يرويه ساكس عنه هنا:
«سألته وأنا أرفع قفازاً: ما هذا؟»
فأجابني: «هل يمكنني أن أتفحصه؟»وأخذه منّي وبدأ في تفحصه، ثم أعلن أخيراً: «سطحٌ متّصل، ملتفّ على نفسه». ثم تابع متردداً: «ويبدو أن لديه خمس جيوب خارجيّة، إذا صحّ التعبير».
قلت له: «نعم. لقد أعطيتني وصفاً له. والآن أخبرني ما هو؟»
ردّ عليّ: «وعاء من نوعٍ ما». فأعادت سؤاله: «نعم وماذا سيحوي؟»
أجابني أخيراً: «من الممكن أن يكون حافظة للنقود المعدنية، أو ربما يكون...».
قاطعت حديثه اللاعقلاني: «ألا يبدو مألوفاً لك؟ هل تعتقد أنه يمكن أن يحتوي أو يلائم جزءاً من جسمك؟».
لم يبد على وجهه أي أثر لتمييزه. كان بإمكان أي طفل تمييزه القفاز على الفور ولكنه لم يميزه ولم يره مألوفاً، لقد كان ضائعاً بصرياً في عالم من المجردات الفاقدة للحياة. كان يرى ولكن لم يكن لديه عالم بصريّ حقيقيّ.. لقد كان دماغه يعمل كما تعمل الآلة..».
حسناً، صاحب الغربال مجرّد بطل لقصة صوفية، والحالة التي يتكلّم عنها ساكس مصابة بعطب دماغي يحول دون تجميع المدركات في صورة بصرية كليّة. ولكن ماذا عنّا نحن؟ كيف نسوّغ الأمر لأنفسنا عندما نتورّط في عمهٍ مشابه؟