التقيت هذا الأسبوع عددا من كبار الكتّاب العرب المهتمّين بالقضايا الإقليمية والدولية. واللافت أنه ليس لديهم أي ترابط بين هذا الموضوع أو ذاك، أو ما علاقة هذا الاستشهاد بموضوع الحديث، وذلك ليس بسبب عدم خبرتهم، بل لأن التطورات تكاد تكون بالثواني وليس بالساعات. وأمام هذه الحالة لا بدّ من السؤال عن كيفية متابعة التطورات بما يحقّق المصلحة المشتركة بين الكاتب والقارئ، وذلك أضعف الإيمان.
صارحني أحد الأساتذة الكبار قائلاً: دعك مما أكتب، فالذي أكتبه في المساء تكون التطورات قد جعلته في الصباح في آخر الأخبار. وهذا قد يتسبّب في خلل كبير في متابعة الأحداث، بحيث لم نعد نعرف ما الذي يجب أن نتوقّعه ونتابعه، وما الذي يجب أن نتجاهله. هذه المشكلة يعاني منها بشكل خاصّ الكتّاب اليوميّون. أمّا بالنسبة للكتّاب الأسبوعيّين فالمشكلة أكثر تعقيداً فهي في أصل الكتابة الأسبوعية، ومنذ قديم الزمان، إذ إنّ القارئ يكون قد استنزف الأخبار والأحداث طوال الأسبوع عبر الصحف والإذاعات والتلفزيونات، فما الذي يدفعه إلى قراءة الخبر عينه في نهاية الأسبوع؟ وتلك هي مأساة الكتابة الأسبوعية.
كل الصحافة الأسبوعية أو الشهرية أو الدورية بشكل عام أخذت اتجاهاً استثنائياً وخطيراً في آن، وهو الذهاب إلى ما وراء الخبر، من أسرار ومعطيات وخفايا وتدخلات. لذلك شهدت الصحافة الأسبوعية عبر تاريخها العديد من محاولات المواجهة إلى حدود الخطر على العديد من الكتّاب الذين كشفوا أسرار وخفايا كانت محظورة من النشر. لذلك أحبّ الناس الكتّاب الأسبوعيّين لأنّهم يعرفون أنّهم يحاولون الحصول على ما لم تقله نشرات الأخبار.
قرأت الكثير هذا الأسبوع عن نتائج زيارة كل من وزير الدفاع الأميركي ماتيس، وكذلك زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الرياض. والأمانة تقتضي الاعتراف بحسن تغطية الزيارتين من قبل الإعلام السعودي والمصري والعربي أيضاً، لا سيما الوضوح التام في التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الأميركي لجهة تورّط إيران في المنطقة، والموقف الواضح من صوابية عاصفة الحزم وإعادة الأمل بالتصدي لعدم قيام نموذج إيراني في اليمن، يهدد استقرار الخليج كما حدث في المشرق العربي وفي لبنان بالذات.
أمّا بالنسبة لزيارة الرئيس المصري والبيان المشترك لجهة التنسيق السعودي المصري للحفاظ على الأمن العربي والتصدّي للتدخلات الإقليمية، فقد كانت على قدر كبير من النجاح، وهذا ما أكّده كلّ من وزيري خارجية السعودية عادل الجبير والمصري سامح شكري، إذ تأتي زيارة الرئيس المصري بعد لقاء القمة مع الملك سلمان في الأردن، وبعد زيارة الرئيس المصري إلى واشنطن قبل أيام.
طبعاً لا جديد في كلّ ما كتبناه حتى الآن لأنّنا جميعاً شاهدنا الأخبار وسمعنا البيانات والتصريحات، وقرأناها على الصفحات الأولى في الصحف. ويبقى السؤال: كيف يجب أن نتابع نتائج هذه الاجتماعات البالغة الدقة في مضمونها وتوقيتها في الرياض بين السعودية ومصر والولايات المتحدة الأميركية؟ والجواب أوّلاً هو أنّنا لن نشاهد بعد اليوم ذلك التباين الذي شاهدناه إبان ولاية أوباما بين أميركا ومصر من جهة، والسعودية من جهة أخرى، وكذلك بين البلدين الشقيقين، بسبب الانسحابات الأميركية من المنطقة. ثانياً، علينا أن نغيّر نمط متابعتنا لكلّ من الأوضاع في سورية وتوقّع الكثير من التغييرات على المستوى السياسي والميداني، وفيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، وأيضاً على المستوى العراقي. وقد بدأنا نشهد محاولات شيعية بالانفتاح على الدول العربية بعد أن عاد الأميركي إلى تحمّل مسؤوليته في العراق بعد أن تخلّى عنها لإيران. وأعتقد أنّ التطوّر الأبرز سيكون في اليمن لجهة عدم إعطاء فرصة للأطراف اليمنية باللعب على التناقضات العربية، وخصوصاً لجماعة علي عبدالله صالح.
أمّا التطوّر الأبرز فسيكون ما ستؤول إليه الانتخابات الإيرانية في 19 مايو القادم، والتي ستحدّد مستقبل إيران. فإمّا المضي قدماً بالتطبيع مع المجتمع الدولي واحترام خصوصيات دول الجوار، أو أن إيران تشهد ثورة خضراء على غرار تلك التي وقعت عام 2009. وقد عبّرت عنها الوثيقة الموقّعة من قبل مئة أكاديمي إيراني والموجّهة إلى خامنئي مطالبين فيها بإعادة ترميم ثقة المجتمع بالنظام. وتأتي هذه التطورات بعد التغيير في الإدارة الأميركية وانتهاء شهر العسل بين أوباما وإيران. إن اجتماعات الرياض بين السعودية ومصر وأميركا هي ساعة الصفر لبداية التغييرات والتحولات.