نحن البشر نتقاطع في أماكن ومحطات كثيرة في حياتنا ويومياتنا، لكننا في الغالب لا نجيد التفاهم مع هذه التقاطعات التي من شأنها أن تزيد من فرصة استمرارية الجنس البشري مستقرا ومبدعا، مضيفا إلى الكون وليس عالة عليه، إضافة إلى ذلك نحن لا نحسن في الوقت نفسه التعامل مع بعضنا سوى من الزاوية الأكثر حضورا في تأثيرها الطبيعي، والذي تعكسه في الغالب البيئة المحيطة التي ينشأ فيها الفرد، ويكون الناتج على ضوء ذلك من أفعال أو تكوينات مادية كالآثار والفنون وغيرها، أو غير مادية كالتعاملات والأخلاقيات والعادات صورة مطابقة لواقع تلك البيئة، وما يتشكل فيها من كيانات قبلية أو اجتماعية متحالفة أو متناحرة. فالمؤمن بالتصالح سيختار الطريقة الأكثر تواصلا مع الأخلاق السامية البعيدة عن الأنا، والمتعجرف سيرى الناس من زاوية خرقاء تصنف في دائرة النظرة بالأفضلية عند الشخص نفسه أو المجتمع، وهي بالطبع نظرة فوقية عمياء لا تعطي انطباعا جيدا عن الصورة النهائية لدى الآخر.
ومن يعتقد بأنه يقف خلف فضيلة هذا العالم وحارس عليها، فإنه لا يراها في الواقع سوى من زاوية ضيقة لها بعدها الديني فقط، ومنطلق قربه إلى الله أكثر من الآخرين، أو أنه يقف في النقطة الأكثر تواصلا مع الله، مقللا من قدرة الآخرين على التواصل مع الله ومشككا في صدقهم في علاقتهم تلك، لأنه لا يرى نجاحها إلا من خلال أسلوبه ومرتكزات إيمانه وطريقته هو فقط، وهذا إلغاء تام لفكرة تنوع المجتمعات الإنسانية، وتحطيم لمبادئ الأخلاق التي تصنعها الأعراف وغيرها مما بنته الإنسانية كطرق للتعايش.
في علم الاجتماع يتحدد مصير المجتمعات على قوة إيمانها بمبدأ الشراكة واحترام الآخر، خاصة إذا ما استطاعت ابتكار طرق مهمة لحسم نقاط خلافها وتقريب نقاط اتفاقها على كل المستويات، وأهمها بالطبع السياسية والأخلاقية، ويرى الباحثون الاجتماعيون أيضا «أن المجتمع البشري عبارة عن منظومة معقدة غير متوازنة تتغيّر وتتطوّر باستمرار، حيث تدفع تعقيدات وتناقضات التطور الاجتماعي الباحثين إلى الاستنتاج المنطقي التالي: إن أي تبسيط أو تقليل أو تجاهل لتعدّدية العوامل الاجتماعية يؤدي حتما إلى تكاثر الأخطاء وعدم فهم العمليات المبحوثة. وقد استقرّ الرأي على أن اكتشاف القوانين العلمية العامة مستحيل في مجال دراسات التطور الاجتماعي مسيطر سيطرة شاملة على المجموعة الأكاديمية، خاصة بين الذين يتخصصون في الإنسانيات ويواجهون بشكل مباشر في بحثهم كل تعقيدات وتركيبات العمليات الاجتماعية. فطريقة بحث المجتمع البشري كمنظومة بالغة التعقيد هي أن نعترف بمستويات مختلفة من التجريد ومقاييس الزمن»، من موسوعة ويكيبيديا.
وهذا ينسحب على بعض المجتمعات العربية داخل شبه الجزيرة، التي أسهمت طبيعة تضاريس الجزيرة العربية القاسية قبل ظهور الإسلام، في بناء شخصية الإنسان العربي الشرسة الحادة والصلبة، ورسمت حالة تصحر معظم مساحات شبه الجزيرة العربية سحنات وجهه وتفاصيله، وأفرزت تبعا لذلك مجتمعا ذا كيانات قبلية صغيرة متناثرة، تجمع بينها البنية التركيبية، ويميزها سلوك العصبية.
وقد عُرفت الفترة الزمنية لما قبل الإسلام بــ«العصر الجاهلي»، وهي تسمية غير منطقية من وجهة نظري، إذ الجهل يقابله العلم لغويا ومنطقيا، والأرجح أن ما كانت عليه حالة التخلف والتناحر والقتال بين تلك القبائل، هو السبب المنطقي لاستخدام وإطلاق وصف «الجهل» عليها، فالابتعاد عن المنطق والعقل سبب مسوغ لتبرير الوصف، لكن الإسلام يصفها من منطلقات دينية بحتة، ومتعلقات ببعض العادات القديمة، كوأد البنات وعبادة الأوثان على سبيل المثال. وبظهور الإسلام وانتشاره بين تلك القبائل خفتت نوعا ما حدة الطباع الشرسة للإنسان العربي بصفة عامة، أو لنقل بشكل أقرب أنه تم توجيهها والسيطرة عليها، لكنها استمرت معه عبر أجياله اللاحقة وإلى يومنا هذا بنسب متفاوتة على نفس النمط، متخذة أشكالا متعددة، كان أبرزها وأهمها على الإطلاق ما تمثل في معاداة مذاهب العقل والمنطق والفلسفة، وتغليب مبادئ النقل والتواتر للمرويات، والتي تعتبر ثقافة أصيلة في الوجدان العربي تاريخيا، إذ الثقافة العربية ثقافة روي ونقل، أكثر منها ثقافة ابتكار، فنحن العرب بصفة عامة لم نكن أصحاب ثقافة كتابة وتدوين، بل أصحاب ثقافة روي ومشافهة، لذلك فمن السهل والمنطقي جدا أن يضيع قسم كبير من الذاكرة التراكمية الثقافية التاريخية للعرب كالفنون والأدبيات والعادات والتقاليد وغيرها، وهو ما تسبب في الحد من نمو ثقافة وخبرات العقل، وانكماش عمليتي التفكير والتأمل الباحثتين عن الإبداع والابتكار اللذين يبنيان المجمعات المتصالحة. وهذه النتائج طبيعية جدا إذا ما عدنا لمقدمة المقالة، عطفا على طريقة تفكيرنا وأين تصب في بحثها عن نقاط الالتقاء مع الآخر أم صناعة محطات التنافر والازدراء؟