أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر تحديدا) استراحة السعوديين ومجلسهم و«شبّتهم»، وأحيانا مكاتب عملهم، (والشبّة مفردة شمالية تُنطق بتفخيم جميع الحروف)، هل من الضروري شرح هذه الكلمة لغير الناطقين بها؟ ربما!

نعود لتويتر بكل ما يحمله اللون الأزرق من رحابة ومدى، وقبل أن نلج دروب الأسئلة ومفازاتها التي دعت لكتابة هذا المقال سأتوقف عند نقطة أراها مهمة، وهي مقارنة الإعلام (الصحافة تحديدا) بتويتر، إذ أرى أن هذه المقارنة غير منطقية، فتويتر -كما أسلفنا- شبيه بالمجالس -لكن المجالس لها حُرمة- فيما للصحافة خطوطها التي لا يمكن

أن تتنازل عنها وإلا فقدت مصداقيتها التي هي رأسمالها الحقيقي، فيمكنك بتويتر نشر خبر دون مصدر، أو اجتزاء خبر والتعليق عليه بسخرية بعيدا عن مضمونه، أو حتى أن تنشر ظنونك وأحاسيسك، والمجال مفتوح على مصراعيه لادعاء الجرأة والمثالية، فتويتر لن تكون وسيلة إعلامية لها مصداقية حتى لو حاولت وزارة الإعلام اعتبارها وسيلة إعلامية!

والسؤال الذي يطرح نفسه أرضا كي لا تصعد روحه: لماذا اختار السعوديون تويتر للنقد والكشف عن الفساد وفضحه؟

أعلم أن هناك مئات الإجابات المثالية للتبرير، لكنني سأحاول أن أكون صادقا -هذه المرة على الأقل- لأقول إن اختيار تويتر كان بدافع (الجبن) لا أكثر! وكي أقطع حبل المزايدات أقول إنني أحد الكائنات الزرقاء بتويتر (وما أنا إلا من غزية إن غوت.. غويت وإن ترشد غزية أرشدُ)، رغم إيماني أنه كان بالإمكان اختيار كلمة أخف حدة كالحرص مثلا! ففي العادة يصاحب (الهاشتاقات) عند اتهام مسؤول بالفساد عدد من الوثائق، وهذا يعني أن من سرّب هذه الوثائق هو بالضرورة يعمل في تلك الجهة، السؤال إذا كان يملك الوثائق لماذا لم يذهب بها إلى نزاهة أو المباحث الإدارية؟

الجواب ببساطه لأنه (جبان)، فهو الشاهد على الفساد ويأمل من الآخرين أن يقضوا عليه، وإن لم يُقض على الفساد فهو متعايش معه، أي على رأي المثل البدوي (إن لقَحَت، ولاّ ما ضرّها الفحل!)، والدافع غالبا هو التخلص من المسؤول وليس الفساد، وإلا كيف صحا الضمير فجأة وقرر أن يحارب الفساد بالتسريب، والفساد كائن جش متوحش لن يقضي عليه من يخافون المواجهة، الأمر أكثر خطورة أن المسؤول أصبح يخشى تويتر ويتملق الإعلام حتى لو لم يكن لديه ما يخشاه، لأن تويتر جعل المجتمع بوليسيا بشكل تعجز عن مجاراته أعمق الدول البوليسية، فمع المعرفات المجهولة لا يوجد شرف للخصومة، فيتم نبش حتى أسرارك الشخصية وتُلطّخ سمعتك وسمعة أهلك من جيش مجهول، مما يغري حتى أصدقائك للمشاركة في سحقك في الحفلة الشعبوية الكبرى، فأصبح أي مسؤول جاد يتردد قبل اتخاذ أي قرار جاد قد يتضرر منه منهم تحت إدارته، وعند تضررهم سيذهبون للأرشيف لمعاقبته، فالمقايضة غير المُعلنة إما أن تترك كل شيء (على بَني المرحوم، أو سنعاقبك بالنبش في الأرشيف)، وحتى لو لم يكن بالأرشيف ما يُعيب فنشكك كل خلق الله بنزاهتك، ولهذا يظل النقد بلا ضوابط هو فساد أيضا، ولهذا لا أستغرب لو سمعت مسؤولا متحمسا لفكرة ما، لكنه يخشى ردة فعل الناس، وقد حدث من قبل شيء قريب من هذا عندما اعتذر رئيس اللجنة التعليمية بمجلس الشورى عن قبول توصية، قائلا: (لو تم قبول التوصية سيُتهم المجلس بأنه لا يتلمس حاجات المواطنين)، وبغض النظر عن وجاهة التوصية من عدمه إلا أن المبرر صادم ومخيف، والكثير من تصريحات المسؤولين التي قوبلت بغضب من الشارع عندما تناقش أحد الغاضبين منهم تصل لنتيجة أنه يتفق مع فكرة المسؤول بطريقة (هو صادق.. بس المفروض ما يقولها!)، وأقول للمسؤول: اعمل ما تراه أنت صحيحا حتى لو أغضبت الشارع، وأعدك بأنني سأكون معهم ضدك!