هذا عنوان لكتاب الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، رحمه الله، قرأته عدة مرات، وهو كتاب عظيم، يتضمن وثائق لأحداث وتضحيات قام بها الملك عبدالعزيز، رحمه الله، صنعت التاريخ، ووحدت الكيان، ونشرت الأمن والعلم، بعد الخوف والجهل، وقد صوَّر الشاعر العابد الزاهد محمد بن عبدالله بن عثيمين، رحمه الله، واقع الحال آنذاك في أبيات منها:

لقد كان في نجدٍ قُبيل ظهوره

من الهرج ما يُبكي العيون تفاصله

تهارش هذا الناس في كل بلدةٍ

ومن يتعد السور فالذئب آكله

فما بين مسلوبٍ وما بين سالب

وآخر مقتول وهذاك قاتله

إليكم بني الإسلام شرقا ومغربا

نصيحة من تُهدى إليكم رسائله

هلموا إلى داعي الهدى وتعاونوا

على البر والتقوى فأنتم أماثله

وقوموا فرادى ثم مثنى وفكروا

تروا أن نصحي لا اغتشاش يُدَاخله

بأن إمام المسلمين ابن فيصل

هو القائم الهادي بما هو فاصله

فأبدلكم ربي من الفقر دولة

وبالذل عزا بزَّ خصما يُناضلُه

بيُمنِ إمامٍ أنتم في ظلاله

يُدافع عنكم رأيه وذوابلُه

به الله أعطانا حياة جديدة

رَفَهنا بها من ضنك بؤس نطاوله

هكذا يصف الشاعر الواقع قبل مجيء الملك عبدالعزيز، رحمه الله، وبعد مجيئه، وهو ما تحكيه الوثائق التي جمعها الشيخ التويجري، جزاه الله خيرا، وغفر له، كل وثيقة تحكي حياة في الإدارة والإرادة، والكتاب يتضمن أيضا تعليقات نفيسة وعميقة وصادقة للشيخ عبدالعزيز التويجري، تدل على عمق علمه وثقافته، مع أن قارئ تعليقات التويجري سيلحظ تواضع الكبار في كل تعليقٍ يكتبه، يقول التويجري عن هذا الكتاب: «إنه ليس كتابي، ولكنه بريد حملته لشاب اليوم وشابته، من الشاب عبدالعزيز ثم الملك، وهو بريد ما أكثر ما كان ضائعا عن أهله في شعاب الجبال والأودية والصحاري وخداع السراب وغموضه، وكثيرا ما ضلَّل العِطاش عن مياه السحب»، ومع نفاسة هذا الكتاب ووثائقه التي تحكي واقع الكفاح والتعب والنصح الذي بذله الملك عبدالعزيز، فقد وردت تساؤلات للشيخ عبدالعزيز التويجري، رحمه الله، تقول: قرأنا الجانب الإيجابي فأين السلبي؟

يقول الشيخ التويجري: «أصغيت إلى هذه التساؤلات، ورحت أراجعها، فإذا دولة الملك عبدالعزيز ومملكته الواسعة ذات الأبعاد التاريخية في تراث العرب والمسلمين تقول لي: أبَعْدَ ما أنتم عليه اليوم، يأتي من يتساءل عن سلبيات الملك عبدالعزيز؟ أية سلبيات مع هذه النتيجة العظيمة، المملكة العربية السعودية؟

فالملك عبدالعزيز غفر الله له لا يمكن لنا نحن أبناء شعبه، أن نقول: إنه لنا وحدنا، لا شركاء لنا فيه، لو قلنا ذلك لهزلنا بوعينا الخلقي والسياسي والتاريخي، ولهزلت معنا مفاهيمنا لمقادير الرجال.. الحقائق لا تُغَالَط، وها هي الحقيقة ماثلة في دولة حديثة، أقامتها الإيجابيات، فالسلبيات لا تُقيم دولة، ولا تُحقق قيما كبرى، ولمن يتساءل عن السلبيات أقول له: سأواصل السير وإياك مع الإيجابيات، لعلك ترى أن الملك عبدالعزيز لم يكن عنده مكان يستريح فيه جسده وفكره وروحه لتعيش معه السلبيات، فحياته منذ كان شابا إلى أن توفَّاه الله، كلها للناس، قضاها في بناء هذه الوحدة، وتأمينها.. سآخذك إلى شعب الملك عبدالعزيز لتسائله عن أيامه قبل أن يأتي إليه.. ستقول لك كل أسرة كريمة، أو قبيلة دخلت الصراع مع الملك عبدالعزيز: إن ما أنا عليه اليوم، وأعيشه رخاء وأمنا واستقرارا ومدرسة وجامعة وشريعة وآمالا كبارا، ما وصل إليَّ إلا بالله ثم بكدح الملك عبدالعزيز ورجاله وعزيمته، فلو لم تشمل رحمة الله هذا الشعب المشتت الفاقد لوحدته وأمنه بمجيء الملك عبدالعزيز، ما حال شبه الجزيرة العربية اليوم؟ وما حال إنسانها؟ وما حال الضعيف ومن لا عصبة له ولا قوة؟

ما كتبته هو لطالبي الحقيقة، وليس لإنسان جفت منابع الخير في نفسه، فآذت روائحه الماشين على الطريق إلى مساجدهم عبر التاريخ، ولمن يحاول أن يغالط الحقائق عليه أن يسأل كل أسرة دخلت الصراع معه، وانتصر عليها: ماذا فعل بكم؟ ولأنها أسر كريمة وعادلة ستقول: أكرمنا وحفظ لنا مكانتنا.. خصومه أصبحوا شركاءه في مجالسه.. ماذا لو أخذت هذا الأخ المتسائل: وأوقفته على الجالسين على مائدة الملك عبدالعزيز ممن كانوا على خلاف معه، وقلت له: ألق بتساؤلاتك جميعها عليهم، لتستقبل الجواب في قولهم: ألغِ تساؤلاتك! فنحن من يملك أعظم شهادة للملك عبدالعزيز وأصدقها، أنه من أبر الرجال وأعفهم.. هل الجواب قد اكتمل في مثل هذه الحقائق؟ وهل انتفت السلبيات بعظمة النتيجة التي هي المملكة العربية السعودية؟ أيبقى لمتسائلٍ شك؟ والنتيجة مشهودة ومرئية في مكانتها من هذا العالم؟ وقد تحولت من النقيض إلى النقيض، من الصحاري، من التبدد والتوزع، من الغزو والنهب والسلب، من فقدان الأمن إلى الوحدة والأمن والمعرفة إلى آخر القصة التي معنا اليوم تحكي لنا وللعالم هذا الواقع».

فيا معشر الشباب: هكذا كان واقعنا قبل مجيء الملك عبدالعزيز، رحمه الله، فمنَّ الله علينا بمجيئه، فأمضى حياته كلها في سبيل وحدتنا ونهضتنا وأمننا، ثم توفاه الله تعالى، بعد أن سلم الراية بيضاء نقية إلى أبنائه الذين سلكوا نهجه، أفيليق بنا أن نزدري نعمة الله علينا؟! فنخرب بيوتنا بأيدينا! أيصح أن نكون أدوات لأعداء يريدون ملء القلوب حقدا على من كان سببا في وحدتنا وأمننا ونهضتنا؟!

اقرؤوا التاريخ، واقرؤوا الوثائق، وحافظوا على هذا الأمن والوحدة التي لم تأت بعد توفيق الله إلا بالجهد والتعب والكفاح.