امتد الجدل القائم بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني في ظل ما نعيشه الآن من ثورة تقنية إلى الكتاب المدرسي، حيث ألمحت وزارة التعليم إلى استغنائها عن الكتاب الورقي في خلال السنوات الثلاث القادمة، ودراسة فكرة التعليم الرقمي كأحد أبرز خطوات تطوير العملية التعليمية.
وواجه كثير من المناقشين فكرة قرار الاستغناء عن الكتاب الورقي والتحول إلى التعليم الرقمي بأنه الخطأ الفادح الذي ترتكبه الوزارة، واستدل القلة في ذلك بفشل هذا المشروع عندما قامت ولاية نيوجيرسي بالاستغناء عن الكتاب المدرسي وصرفت 1.5 مليار دولار في التقنية، وبعد عامين من الزمن اكتشفوا خطأ ما قاموا به وتراجعوا وأعادوا طبع الكتاب والتعليم به.
كما يقارن البعض من قدامى قيادات ومنسوبي التعليم بين جيلهم والجيل الحالي غير مبالين بما تقتضيه متطلبات العصر المختلفة بين الجيلين.
في الحقيقة من اعتاد على قراءة الكتاب الورقي سيجد صعوبة كبيرة جدا في التأقلم مع الكتاب الإلكتروني وإن تأقلم إلى نصف الكتاب لن يستطيع إكماله، وهذا الحال ينطبق مع التحول إلى التعليم الرقمي، وهذا من طبيعة الأشياء، فأصحاب العقليات الورقية تظل أدواتهم ورقية، وأصحاب العقلية الإلكترونية تصبح أدوات القراءة والكتابة والتفكير لديهم إلكترونية.
التعليم الرقمي قادم لا محالة حسب منطق التحولات ومتطلبات العصر، ولكن حتى لا يتعثر هذا المشروع لا بد من مراعاة بعض النقاط ثم وضع عدة اعتبارات والعمل بها لتجهيز بيئة خصبة تطبق عليها الفكرة بعد ذلك عمليا تسهم بشكل كبير في نجاحها.
وبحكم أن الأمر جديد على الطلاب المعتادين على التعليم التقليدي، فلا يمكن أن ندخلهم في دوامة أسلوب التعليم الجديد -الرقمي- ثم نطلب منهم التأقلم معه والخروج منه بمحصول تعليمي وإثرائي جيد بين ليلة وضحاها وبضغطة زر أو قرار إداري دون تهيئة الأمور وفق منظومة شاملة تحيط بالعملية التعليمية كاملة، سواء من حيث الطلاب أو المعلمين والبرامج والظروف المحيطة والبنية التي يقوم عليها الكتاب الرقمي ليس مجرد تحويل الكتب المدرسية إلى ملف رقمي جامد، وإنما لا بد أن يبنى من البداية بمفهوم رقمي تفاعلي حيوي يتضمن النص والصورة والفيديو والألعاب الذهنية وحل المسائل. بطريقة ذكية وفق مبدأ التصحيح الفوري والخيارات والاختيارات والتواصل الرقمي مع المعلم والمعلمة والمشرف والمشرفة وأولياء الأمور وفق الصلاحيات ونقطة الاهتمام.
كما أن التعليم الرقمي يلغي بعض أساسيات لغتنا العربية منها تعلم الخط أو الكتابة بمعناها الاصطلاحي، أي أنه بعد مرور عشر سنوات من تطبيق هذا القرار لن تجد من يستطيع الكتابة خطيا، خاصة وأننا ما زلنا نعتمد وبشكل واضح على الأوراق الرسمية المكتوبة خطيا، فلو اقتصرنا في التعليم الرقمي على مراحل وأبقينا مرحلة معينة مثل الصفوف الدنيا على التعليم المختلط ما بين التقليدي والرقمي وهذا فيه تهيئة لهم لمرحلة التعليم الرقمي فيما بعد والإلمام بأهم جوانب التعليم الاعتيادي الضرورية.
والملاحظ الآن للوضع الحالي مع تغطية شبكات الإنترنت السيئة في مختلف مناطق المملكة يجد أن الإقدام على هذه الخطوة هو تهور كبير ولا يمكن لها التقدم الإيجابي أبدا، خاصة أن 20% من مدارسنا هي في قرى خارج المدن، وهذه القرى تكاد تنعدم فيها شبكة الاتصال فما بال شبكة النت.
هذا القرار بقدر ما هو حتمي لا محالة حسب ما تمليه حاجات ومتطلبات العصر، إلا أنه يحتاج الكثير من الدراسة والتجهيزات قبل البدء في تنفيذه لأنه يمس التعليم، وفشله هو فشلنا في كافة طرق وأحوال مجتمعنا، ونـحن تأخرنا كثيرا والوقت لا يسمح بتجارب جديدة غير مدروسة أو مكتملة كالتي مرت علينا.