كنت معبأ بالريبة لمذاهب تشاركني تراب الوطن، ولأن عقلي لا يقبل تشرب الارتياب الأعمى، وقلبي لا يرضى أن يكون سكناً للضغينة، لأن حياة الريبة والضغائن قيد للروح والعقل، فقد قرأت عن الإسماعيلية بحكم قربهم في نجران من عسير، ثم قرأت في كتبهم نفسها بدون اجتزاء أو اقتطاع من السياق كي لا تغويني كتب غيرهم عنهم، كما لا يحق لغيرنا أن يحكم علينا من خلال كتب غيرنا عنا، وهكذا قرأت كتاب فقههم، فكانت الصدمة أنه لا يختلف عما درسته في كتب الشريعة، سوى في بعض التفاصيل التي يسعنا الخلاف فيها، فترانا رغم كل شيء، نلتقي في الميقات محرمين بعمرة أو حج، نرجو رحمة الله ونخشى عذابه.
سافرت إلى المنطقة الشرقية وفي نفسي اكتشاف التشيع الاثني عشري في القطيف والأحساء، فكانت الصدمة أن فيهما من التنوع ما في المنطقة الغربية، لأجد الشيعي المتعصب لعروبته، فتراه يشتم إيران صباح مساء، وأنها شوهت سمعة صدام، والعلماني الذي لا يبالي بقومية أو مذهب، بقدر مبالاته بوطن يحتضن الجميع بشكل متساو، ولأجد أيضاً المتدين التقليدي الذي يحاول إمساك العصا من المنتصف موازناً ما بين ضرورات المذهب وضرورات الدنيا، فكأنما هو ذلك السلفي السني الذي يعيش قلق الموازنة ما بين عقيدة الولاء والبراء التي تشربها إلى النخاع وما بين ضرورات الحداثة في ما يراه حوله من انفتاح على الشرق والغرب، ولأجد بين القطيف والأحساء من الغيرة الحميدة والتنافس المثري كما بين بريدة وعنيزة، ولأجد في القطيف تمايزات لعائلات كانت داخل سور القلعة وعائلات خارجه مثلهم في هذا التمايز مثل أي قبيلة شمالية أو جنوبية تصطنع تقسيماتها الوهمية لهوية ميكروسكوبية، تكبر أحياناً لتكون ورماً خبيثاً نراه في قضايا تكافؤ النسب، ولأنهم أقلية فعيوبهم أقل من غيرهم، ولأنهم أقلية فعقولهم أذكى وقلوبهم أنشط، وهذا ما يثير الغيرة والحسد في قلوب بعض الغالبية العاجزة عن المنافسة الوطنية الشريفة، فيعوض العاجزون عجزهم باصطناع عصبية وكراهية تجعلهم يرون القذى في عين من يكرهون وينسون الجذع في عيونهم منذ يوم السبلة وحتى أيام البغدادي، بينما الوطن يتسع صدره للجميع بحكمة الدولة، إذ تذيب الجليد بين فئات المجتمع عبر الحوار الوطني، وتحول بسلطة القانون دون الفوضى والانفلات، وأي تيار أو توجه يسقي الناس من كأس التعصب والكراهية ليكسب جولة، سيدور الزمان عليه ليشرب من نفس الكأس، والعبرة بالإخوان المسلمين كأدهى حركة سياسية في اصطناع العداوة وأغبى قيادة في صناعة السلم بين المواطنين، ليتحول المواطن المصري إلى ذمي قبطي والمسلمون ينقسمون إلى سلفية وإخوان وعلمانيين فنرى تمثال أم كلثوم وقد تحول إلى عورة يجب سترها أو وثن تجب إزالته، متناسين أن الحضارة المصرية لم يكن لها قائمة لولا درس نهر النيل العظيم في المواطنة المتساوية لكل أرض سار فيها، إذ يسقي الشاربين في عشر دول مختلفة الأديان والأعراق واللغات بلا تفرقة، ومن يحترف بناء السدود، فلينتظر دمار الحروب.
بدأت عملي في مكة ثم انتقلت إلى جدة، وكنت معبأ بالتقسيم الاجتماعي في الحجاز إلى قبائل وغير قبائل، ثم خجلت من هذه التقسيمة عندما علمت أن صك ملكية المنزل لأحد أبناء مكة من غير القبائل عمره قرابة الثلاثة قرون، مسجل باسم جده قبل ثلاثمئة سنة كمجاور لحرم الله وكعبته المشرفة، فعن أي قبائل يتحدث المتكبرون بلا أصالة ولا تاريخ مكتوب، فتركت خرافة التقسيمات التي لا معنى لها، مؤمنا بعلم الوراثة، حيث سنجد لنا مع كل أحد على وجه الأرض جداً مشتركاً عبر آلاف السنين وفق معطى علم الجينوم الحديث، ولا تنسوا كلمات ابن عربي أحفظوها كتعويذة، إذ يقول (ليس في العالم مرض يحتاج إلى علاج، كل ما هنالك تعصب يحتاج إلى تواضع)، ومن يتعلم التواضع للحق والخير والجمال فسيصبح إنساناً يسمو على صراع الهويات القاتلة التي نلبسها ثوب الدين والعرق واللغة، هويات في أصلها البنيوي ليست سوى صراع الثدييات من أجل البقاء إذا ضاع الرشد بين أحفاد قابيل وهابيل.