وهنا أستأذن الصديق التوأم، صالح الشيحي على استعارة العنوان، وأنا اليوم أعود لقصة الأمير خالد الفيصل مع المواطن الذي أهداه مجموعة من خيار الإبل فكان جوابه بكلمتين لا غيرهما. حفظ لصاحب الهدية مكانته ونبله ومضى الأمير متمسكاً بمنهجه، جوهر القصة أنها، وكما قال لي من أثق برؤيته وسعة أفقه ما قبل البارحة، قد مرت على الإعلام والكتاب مرور السحابة دون أن تحظى بما تستحق كترسيخ لقاعدة عامة، لا بين الأمير والمواطن، بل بين المسؤول، أياً كان موقعه، وبين الشريحة المستفيدة من وظيفته أو منصبه. الهدية أو حتى الوليمة للمسؤول، وكما قال صاحبي، ليست بأكثر من نسخة مقبولة مخففة للرشوة، وفي الأثر الصالح ستبقى هدايا العمال للمسؤول غلولا لا تجوز. والذين يعرفون شخصية خالد الفيصل سيدركون مسبقاً أنه سيقول هذه الجملة المختصرة الموجزة. وأحياناً كثيرة يذهب لزيارة محافظات بعيدة تحتاج سفراً كاملاً لأكثر من يوم، وفي كل مرة، كانت ترافقه وجبته البسيطة جداً من منزله في شكل فسحة مدرسية لطالب مدرسة. يرفض حتى مائدة المحافظة الرسمية لأنها من المال العام، ناهيك عن استحالة قبوله دعوة مواطن لأنها وكما قال لنا ذات مرة: تمييز ما بين النافذ القادر وبين البسيط الذي تبقى له حقوقه أمام الأمير أسوة بالوجيه الغني.

وفي الزبدة، يجب أن تحضر «مقبولة موفورة» تعميماً رسمياً إلى كل حياتنا الإدارية والوظيفية. لا فرق في تطبيقها بكل صرامة ما بين أمير مكة المكرمة «كرمزية» وبين رئيس بلدية في آخر محافظة مستحدثة، مع كامل احترامي وتقديري لمكانة صاحبي هذين المنصبين. وسأكتب إلى كل مسؤول كبر مكانه أو صغر أن ينتبه جيداً لما أسميه مسطرة «أصدقاء الوظيفة». هؤلاء جميعاً لا يحتفون ولا يحتفلون بك إلا تقرباً وزلفى من الكرسي وإحالة المعاملة ومهر التوقيع. الآلاف من هؤلاء المسؤولين ربما أدركوا هذه الفوارق بعد الاعتزال والتقاعد وحفلات التكريم والتوديع. الآلاف من هؤلاء كانوا يشتكون من قبل زحمة الدعوات والحفلات ومخازن الهدايا أيام الوظيفة، واليوم يشتكون الفراغ وفقر السؤال عنهم وهذه هي الحقيقة. والذين يعرفون تاريخ «مقبولة موفورة» يدركون أنها لم تكن اختراعاً من قاموس خالد الفيصل بقدر ما هي شيمة عربية من أعماق التاريخ، ولكننا للأسف الشديد رميناها في الأرشيف. أختتم: الوزير الذي سيأتي للشمال أو الجنوب لن يعود منها جائعاً كي نحول زيارته الرسمية إلى برنامج ولائم من المال العام، زرت مع غازي القصيبي رحمه الله محطة التحلية حين استل من حقيبته فطيرة الساندوتش وللتاريخ، هذه هي القصة الخالدة التي تكتب اليوم بعد رحيله بسنين. العفة والنزاهة هما ما سيبقى للفرد. انتهت المساحة.