أعتقد جازما أن التجديد، وقد طال أمورا كثيرة؛ لا بد أن يطال تعليمنا للعلوم الشرعية، ولا فرق بين أن أقول إن غالبها أو كلها يفتقر إلى ذلك. بداية لا بد لي أن أقرر أن الشريعة في مجمل نصوصها وأدلتها لا زيادة عليها، ولا نقص منها، ولكن تطبيقها على وقائع كل عصر هو مهمة العقل المسلم، وهذا لا شك أنه لا يقتصر على فرد، ولا على مجموعة، ولا يمكن أن يتصدر له إلا المؤهل علما وفكرا، والمخلص غير المتأثر بمال أو جاه أو غير ذلك..

الساحة كما يشهد بذلك الجميع، تعج بغير المؤهلين لمهمة تجديد الفكر الديني، أو تعليم العلوم الشريعة، وأدعياء هذا الباب، يستطيع المتخصص تمييزهم بسهولة، خاصة عندما يتمسح الواحد منهم بباب (الاجتهاد) و(التجديد)، وهو أبعد الناس عن العلوم الشرعية، وعلمائها الثقات، ولا هم يحمله في دنياه إلا تشجيع (الاصطفاف المذهبي)، و(التحشيد الطائفي)..

هنا أجد نفسي مرغما على تجديد طلب التواصل العلمائي، وفي الداخل قبل الخارج؛ فالقطيعة العلمية لا يمكن أن تفيد الأوطان، ولا يمكن أن تسهم في بناء الإنسان، ولا أجافي الحقيقة عندما أقول إن الأزمات التي تعيشها جل أو كل بلداننا، إنما هي ناتجة عن أمور كثيرة، ومنها انقطاع التواصل بين العلماء والعلماء، ولهذا أسبابه المتعددة، ولعل على رأسها تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، والانغلاق على الذات، وعدم اتساع الأفق لقبول الآخر..

تواصل العلماء، وتشجيع من بيده ذلك، سيسهم كثيرا في التعرف على الرؤى، ووجهات النظر التي يحملها كل واحد، وفي هذه المبادلات للأفكار كل خير، وسيتمكن كل واحد من توصيل الرسائل التي يريد توصيلها، وستندفع الأغلاط التي يظنها هذا عن ذاك، وسيتيسر الوصول إلى حل وسط بين الجميع، وسيتنازل هذا عن صلفه، وذاك عن عناده..

أعود إلى التجديد الذي بدأت به؛ لأؤكد على أنه لا بد من قراءة النصوص الدينية قراءة جديدة، تتناسب مع العقل، وتتماشى مع آليات المعرفة الحديثة، والشرط اللازم هو أن يترك العلماء تعقيداتهم، وتعنتهم عن قبول مخالفي آرائهم، وأن يعودوا إلى تاريخهم الجميل، الذي حفل بتجديدات كثيرة وتفاعلات لا يمكن لأحد تصورها، ومنها مثلا عدم قطع يد السارق المحتاج، في عام الرمادة، وإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم، وكلها وغيرها أدلة واضحة على استخدام العقل، مقابل النص الديني، وبراهين ساطعة على تطويع النص الديني بحسب الظروف والمتغيرات التي طرأت على المجتمعات، والجميل أن كل ذلك كان يتم وفقا للقواعد الفقهية التي وضعها الفقهاء بأنفسهم من مثل «تبدل الأحكام بتبدل الأزمان»، و«الضرورات تبيح المحظورات»، وغيرهما.