في طريقي إلى لندن الأسبوع الماضي اطلعت على تصريح أخي وزميلي رائد الصادرات الوطنية الدكتور عبدالرحمن الزامل رئيس مجلس الصادرات السعودية في جريدة الوطن في عددها 3712 والذي كان تصريحاً متشنجناً ولكنه في الحق، مطالباً بضمان حقوق الصادرات السعودية في بعض الأسواق العالمية ومنها سوق الهند، الدولة الصديقة ذات العلاقات الوطيدة والتاريخية مع المملكة وصاحبة أكبر عدد من العمالة الهندية في الأسواق الخليجية والسعودية بصفة خاصة. حيث أعلنت حكومة الهند مؤخراً فرض رسم إغراق على الصادرات السعودية من منتجات البولي بروبلين والتي ستؤثر سلباً على القدرة التنافسية لهذا المنتج للبيع في أسواق الهند، علماً بأن صادرات المملكة لهذا المنتج تصل إلى العديد من الأسواق العالمية في الشرق والغرب وتعتبر الهند أحد أكبر الأسواق حيث يعمل أكثر من ستمئة ألف تاجر هندي في تجارة استيراد هذه المادة الخام للصناعات البلاستيكية الهندية، والتي تصنع من هذا المنتج منتجات تحويلية يعاد تصديرها للأسواق العالمية ومنها الأسواق السعودية. من المؤسف جداً أن قرار رسم الإغراق الهندي على مادة البولي بروبلين المصدر من السعودية فرض نتيجة ضغوط أحد المصانع الهندية التي تنتج نفس المادة وهي حماية غير عادلة لمنتج مصنع هندي واحد أمام المصانع الأخرى الأجنبية المصدرة للسوق الهندية وهي حماية غير مبررة وغير قانونية من وجهة نظري الاقتصادية ولا تتفق مع اتفاقية منظمة التجارة العالمية وتتعارض مع مبادئ حرية المنافسة الاقتصادية والعلاقات التجارية الثنائية بين البلدان الأخرى، وللحقيقة أن الصناعات الأساسية والتي تعتبر الخيار الصناعي الاستراتيجي المستقبلي للمملكة ودول الخليج معرضة لقرارات رسوم الإغراق في بعض الدول الآسيوية والأوروبية، وإذا لم تقف دول الخليج موقفا موحدا وقويا أمام قرار رسم الإغراق الهندي فإنني أتوقع أن يتكرر نفس القرار من دول أخرى وبنفس الحجة غير العادلة وأخشى على الصادرات الخليجية والسعودية على وجه الخصوص التي استطاعت أن تثبت جودتها ومكانتها في الأسواق العالمية أن تتراجع وتصاب بكساد في مبيعاتها الخارجية ويؤسفني كل الأسف أن التعاون الخليجي في هذا المجال ضعيف ولم يثبت جدواه الدبلوماسية المثالية في العلاقات الاقتصادية أو في الخلافات الاقتصادية لن تؤتي ثمارها ونتائجها ولن تكون إيجابية. وعلى سبيل المثال فإن في العلاقات السياسية الاقتصادية الأوروبية والأمريكية عبرة، حيث قمة التعاون المشترك في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والمجالات الأخرى، إلا أنها عندما تأتي في مجال المصالح الاقتصادية المنفردة فإن هناك صراعا قويا ومطروحا على المستويات الثنائية أو المجالات الدولية من خلال منظمة التجارة العالمية والكل يبحث عن مصالحه الخاصة. وهذا هو ما يدفعني اليوم إلى طرح اقتراحين أرى أنه من الضروري الأخذ بهما مستقبلاً، الأول هو إصدار قرار خليجي مشترك من الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي يعترض على قرار رسم الإغراق على الصادرات السعودية وإرسال وفد خليجي للتفاوض مع الحكومة الهندية وإبلاغ الحكومة الهندية أثر قرارها على العلاقات الخليجية الهندية الاقتصادية. وفي حالة رفض الحكومة الهندية التعاون في هذا المجال فوسائل المعاملة بالمثل للعديد من الصادرات الهندية لدول الخليج بما فيها العمالة الهندية وتحديد مدة إقامتها في دول الخليج والتي ستؤثر سلباً على تحويلات أكثر من ثلاثين بليون دولار إلى الهند سنوياً.

أما اقتراحي الثاني والأهم وعلى المدى الطويل فهو أن تتوجه دول الخليج إلى التوسع في الاستثمار في الصناعات التحويلية والتي تستخدم منتجات صناعة البولي بروبلين والمنتجات الأخرى كلقيم في صناعات تحويلية أخرى حيث إن عوائد هذه الصناعات التحويلية أكبر كثيراً من عوائد مادة البولي بروبلين والمنتجات الأخرى كمواد خام فقط. إن الكثير من المنتجات الواردة للأسواق السعودية والخليجية هي في الأصل من لقيم المواد الخام المصدرة أصلاً من المملكة أو من دول الخليج، ويبقى السؤال إلى متى سنظل مصدرين للمواد الخام البتروكيماوية لخدمة المنتجات التحويلية التي يعاد استيرادها لأسواقنا بأسعار تنافسية وفي كثير من الأحيان بأسعار تساهم في إغراق أسواقنا والإضرار بالصناعات المماثلة في السعودية دون رقيب أو اعتراض من الصناعات السعودية.

إن فكرة الصناعات التحويلية كانت إحدى أفكار المدن الاقتصادية ولا أعلم ما هي خطط هيئة الاستثمار في هذا المجال وهل لازالت الصناعات التحويلة أحد اهتماماتهم؟. إن الاقتراح المطروح من وجهة نظري هو إنشاء تكتل صناعي كبير يستهدف إقامة صناعات تحويلية تستفيد من البنية التحتية التي وضعتها المدن الاقتصادية أو إنشاء مدن صناعية جديدة متخصصة في الصناعات التحويلية.

إن العالم الصناعي ينظر إلى المملكة بترقبٍ حذِر، خوفاً من قدراتها الإنتاجية المستقبلية للمنتجات البتروكيماوية أو الصناعات البترولية وإذا لم توضع استراتيجية طويلة المدى لحماية صناعاتنا البتروكيماوية فإن هذه الصناعة مهددة بحرب شرسة من الدول الصناعية الكبرى ومن حلفائها. ويقال بأن هناك خططا سرية قد وضعت لبداية هذه الحرب. وهذا ما يدفعني أن أدعو زملائي رجال الصناعة البتروكيماوية الذين يحضرون بعد غد إلى دبي لحضور مؤتمر الصناعات البتروكيماوية الذي تستضيفه دبي يومي الثلاثاء والأربعاء لأن يجتمعوا على رأي خليجي موحد لحماية الصادرات الخليجية ووضع استراتيجية طويلة المدى للصناعات التحويلية. فالحرب القادمة هي حرب اقتصادية وليست عسكرية.