في اختبارات المنهج السعودي لطلاب الانتساب والتي تقام في أكاديمية الملك فهد في لندن خلال أيام الأسبوع، ومن بينها أيام الإجازة، لاحظ أحد المراقبين السعوديين الذين يتابعون الطلاب، أن في الحديقة سيدة تعمل على غرس بعض الشتلات، وتحفر الأرض حولها، وهي ترتدي ملابس رثة يرتديها عادة البريطانيون عند العمل في الحدائق، نظر الرجل نحوها وقال للطالبات اللواتي أغلبهن طالبات في الأكاديمية، نصيحة أبوية «ادرسن حتى لا تنتهين مثل هذه المرأة». الفتيات التفتن إلى السيدة العاملة، وصرخن هذه معلمتنا مس......، وهي قادمة رغم أنه يوم إجازة لتعمل على تحسين بيئة المدرسة لطلابها بزراعة الورود والأزهار.
في الحقيقة إن المعلم في السعودية وفي الغرب وفي كل مكان، يعاني من جهل الناس لمقدار الجهد الذي يبذله في رعاية طلابه، وربما أخيرا لاحظ الناس ما يفعله بعد اختراع كاميرا الجوال وظهور تويتر، فتجد الناس تتناقل صور معلمين وهم يربطون أربطة أحذية طلابهم، ومعلمين يخلعون «أشمغتهم»، ومعلمين يحملون طالبا يتيما ويلتفون حوله حتى لا يشعرونه بفقد والده في مناسبة ما.
وحده المعلم الذي اختار المهنة، لأنه يحبها ويشعر بها تجري في دمائه، يستمتع بكونه معلما، ويحضر قبل طلابه في الفصل، ويغادر بعدهم، ويجتهد ليضع المعرفة والعلم والمهارة في متناولهم، ثم تجده جزءا من حياتهم؛ فكم معلم حل مشكلة أسرية، وكم معلم أوقف عُنْف أب، وكم معلم دس مصروفا في يد تلميذه والناس لا يعرفون، وكم غرفة معلمين جمعت فيها أموال لشراء ملابس ووجبات للطلاب، وكم استدان معلم لشراء هدايا تلاميذه أو يطبع أوراق عملهم وأجهزة العرض لهم.
إن ما سبق هو حدث عادي جدا في حياة المعلم يؤديها مسرورا سعيدا، فالله خلقه إناء رحمة وعطف، وكتب عليه أبوة علم وأمومة معرفة في لحظة من عمره، وهو لا ينتظر جزاء ولا شكورا، فهو يحصل عليه مباشرة من قلوب صغيرة، قد تدس مصروفها اليوم في مغلف وتقول له «الحمد لله على السلامة»، وقد تفاجئه وهو يمر في الساحة بقبلة وحضن أو حتى منديل مكتوب عليه «أحبك معلمي».
ذكرت إحدى الدراسات الغربية الكبيرة أن معظم المعلمين ردوا على سؤال من هو أكبر مؤثر في رضاهم الوظيفي، بإجابة أثارت دهشة الباحثين؛ قالوا إنهم طلابهم، عندما ينتهي الدرس ويلمحون نظرة الشكر في تلك الأعين الصغيرة البريئة أو تمتد أيديهم ملوحة أو مصافحة لهؤلاء الأساتذة، فيبثون في معلميهم طاقة وتفاؤلا يدفعانهم لحب المهنة والتقدم فيها.
وربما يخرج المتقاعدون من وظائف أخرى براتب شهري، ويخرج المعلم بآلاف الأبناء يقابلهم على «كاونترات الحجز»، وفي عيادات المستشفيات، وفي الشوارع، وفي محاريب المساجد، وفي الشركات وفي الأسواق يقدمونه ويجلونه؛ فيعلم أن ما فعله لم يجنِ به راتبا إنما حيوات أُخر لا يحصل عليها أحد مثله.