لعل من ينظر في حال العاملين في وزارة الصحة يتضح له جليا وجود خطأ في أن جعلت من الطبيب مديرا وجعلت من الصيدلي ممرضا ومن الممرض نائب مدير!
لا جدل في قدرة الطبيب العقلية المتفوقة وإعداده وتحصيله المتميز، ولا نزاع في مكانته ولكن في مجال عمله، فالأطباء أنفسهم أصحاب تخصصات في عملهم ذاته، فتجد الجراح لا يفتي ولا يتحدث أصلا في طب الجهاز التنفسي مثلا، فكيف أصبح الآن الطبيب يتحدث في علم الإدارة؟! علما أنه لم يدرس في حياته غير الطب.
من المعلوم إحصائيا ندرة الطبيب، فنسبته في مجتمعنا لا تتعدى 24 طبيبا لكل 10000 نسمة، أي ما نسبته 0.24% من نسبة السكان، وبالنظر إلى خريجي الجامعات من طلبة كليات الطب من الجنسين فإن العدد يصل إلى 16 ألف دارس ودارسة فقط؛ ولك أن تفترض كم من هؤلاء سيتخرج ويغطي العجز الحاصل؟! فبالنظر إلى 24 جامعة حكومية في بلدنا فلن يتجاوز الخريجون من كل جامعة الـ150 خريجا على الأرجح، أي قرابة 3600 خريج، ولكي نرفع نسبة الأطباء فإننا في حاجة إلى قرابة 70 عاما لتغطية العجز، ولا ننسى في الحساب موازاة هذا لزيادة السكان، ومن هنا فإنه لا يخفى على كل ذي لب الضرر المترتب على حرمان المجتمع من خدمة كان سيقدمها هذا الطبيب له وتوجيهه، بدلا من ذلك على مكتب وأوراق لا يفقه فيها شيئا، فسينخفض جدا معدل الرعاية الصحية وسيزداد معدل الوفيات التي كان من الممكن تفاديها، وسيزداد أيضا على الأطباء عبء العمل، وبالتالي ستقل جودة الخدمة وسيهاجر الطبيب ويموت المريض.
لماذا لا يكون كل ذي صنعة على صنعته عاكفا، ليتقدم الركب بنا ولنرتقي سريعا مع الأمم، بل لماذا لا نستقطب المئات من متخصصي إدارات المراكز وإدارة المستشفيات ونضعهم في المكان الذي هيئوا له ورغبوه، هل تتوقع الوزارة أن من وضع في مكان لا يريده سيبدع؟! أو أن من حول عن تخصصه سيتقن؟!
إذا كان لا بد من تواجد الطبيب في المكان الإداري، فلا بد من رفع عدد قبول طلاب كليات الطب وتخفيف القيود وتخفيض رسوم دراسة الكليات الأهلية، والأفضل من هذا كله أن يبقى الطبيب طبيا.
إننا لم نعد نبحث عن الإبداع، لأننا لم نصل بعد للإنجاز الواجب المطلوب، وما زلنا مراوحين أقدامنا دون طور العمل الواجب فقط، والذي من أهم دعائمه توجيه كل ذي تخصص لتخصصه، فالمشرط لا يصبح قلما، والقلم ما كان يوما مشرطا.