الدم موسيقى عذبة يسبح بين ألحان التميع والتخثر فيصدر موسيقى من شتى الألحان، تحتاج فقط إلى أذن طبيب تحسن السماع؟

الدم يشبه لبن الرائب، هو ليس كثيفا سميكا، وهو ليس مثل الماء رقيقا مائعا، وبين الحدين تتدفق الحياة من الرحمن الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون.

لقد عرف الطب أن الدم مكون من نسيج وسائل مصلي، نسيج من مكونات شتى في ثلاث فرق رئيسية: الكريات البيضاء وفيها النواة، والحمراء خالية من النواة، والصفيحات مهمتها الإرقاء وسد الثقوب في الوعاء المثقوب؟

ويقول قائل وماذا يحدث لو اضطربت العلاقات واختلت الأرقام؟

والجواب إن كانت بيضاء مشت باتجاه السرطان، وإن كانت حمراء مشت باتجاه فاقة الدم أو احمراره، وإن كانت نقصا في الصفيحات يعجز الدم عن التجلط، ولم تنسد منافذ الأوعية مع كل جرح؛ فمات الإنسان من أتفه جرح، وهلك من أصغر إصابة وعلة؟

فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد لك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. وبهذا التوازن من النسيج الدموي الذي يدعمه السائل المصلي بما يحوي من عناصر ومعادن، يتم وضع الأساس لفرقة موسيقية عامرة بكل الآلات؛ فينساب الدم في العروق سائغا شرابه لكل الأنسجة العطشى. كانت المريضة في عنيزة أذكرها جيدا. طلبونا لها ليلا. مضت على الواقعة سنين طويلة، هرعنا لها أنا وابن العمدة هكذا سميته مساعدي المصري، وهو الآن عضو في مجلس الشعب المصري نفع الله به وأصلح برلمانه المريض بعكازات. فحصنا المريضة كان التشخيص واضحا أنه انسداد وعائي لا بد من التداخل عليه. نقلنا المريضة بسرعة إلى مشفانا التخصصي في بريدة وتابعنا الفحوصات.

كانت ليلة الخميس المقبلة على يوم الجمعة. تلفن ابن العمدة الدكتور العماري: معها نقص في الصفيحات؟ أجبت أعني يا إلهي كم؟ قال بكل أسف في حدود عشرين ألفا؟ قلت لا يمكن التدخل الجراحي في هذا ولا بد من رفع الرقم؟ قال سنحاول عن طريق أكياس الصفيحات المركزة المأخوذة من عينات الدم الطازجة إن توفرت؟ قلت حسنا ارفع الرقم ما أمكن وبسرعة وليكن في حدود أربعين ألفا على الأقل. عند الساعة العاشرة صباحا قبل صلاة الجمعة كانت المريضة في قاعة العمليات وكانت صلاتنا عملية إنقاذ المريضة. فتحنا الشريان الفخذي واستخرجنا جلطات قديمة وحديثة، وسرى الدم يغني بلحن نعرفه نحن جراحي الأوعية وله نطرب ونصفق.

فرحتنا دامت ثلاث ليال عددا.

يوم الثلاثاء صباحا نمر على المريضة. ابن العمدة يقول دكتور جلبي الساق المقابلة دخلت نفس المشكلة؟ وتردد في موضوع الجراحة خوف حدوث اختلاطات؟ ماذا ترى؟ الفحص يقول لا بد من الفتح؟ وهكذا أخذنا المريضة وفعلنا ما فعلناه سابقا في الطرف المقابل.

بعد الانتهاء والفرح شعرنا أن الدم بين أيدينا لا يتخثر ولا يرقأ؟ إنها كارثة؟ قلت لابن العمدة الدكتور العماري من صعيد مصر إننا في ورطة فعلية؟ هلم لنعط المريضة أي شيء للإرقاء بعد أخذ عينة سريعة من الدم. هرعت بنفسي إلى بنك الدم أطلب المستعجلات من فصائل شتى للإرقاء فضلا عن المواد الكيماوية، وضغط المكان باليد مع شاش دافئ بعض الشيء.

بعد انتظار طويل ومعالجة منوعة وضغط المكان لأكثر من ساعتين وصلنا إلى شيء من الاستقرار.

حمدنا الله وبدأنا في خياطة الجرح ووضع مصرفات الأنابيب لمنع أي تجمع في الدم لاحقا، مع رباط ضاغط على المنطقة المغبنية، فكل تجمع معناه تقيح، وهاوية باتجاه الكارثة الإنتانية. نظر كل منا إلى صاحبه والعرق يجلله، والتوتر أخذ منا كل مأخذ، وقلنا معا إنها ساعات العسرة والحشرة أليس كذلك..

لقد رضي الله عن الأنصار والمهاجرين الذين اتبعوا النبي ساعة العسرة أليس كذلك؟

وكررت أنا رأيي في الصعايدة الذين أحبهم:

أنتم أصدق أهل مصر لهجة، وأكرمهم يدا، وأشجعهم قلبا، وأصحهم بنية فأنتم من بنى الأهرامات.. تحية لك من بعد يا ابن العمدة..