مع اقتراب موسم الأعياد تتسابق النساء إلى الأسواق لشراء كسوة العيد إلا أن هذه السٌنّة تحولت إلى سباق للتفاخر بين النساء، وأخصهن في هذا المقال بما أنني أرى منهن وأسمع ما لا يسُر الخاطر.

المصيبة أنهن لا يشعرن بوجود المشكلة من الأساس، وينبذن ثم يلقين اللوم على من لم تشارك معهن في مسابقات ملكات الماركات العالمية والجمال الاستيتيكي. بالنسبة لي لم أدرك حجم هذه المشكلة إلا عندما رجعت من الخارج، فالمبتعث يتسم بالبساطة ومحاكاة أهل البلد في مستوى الملبس والمظهر بشكل عام. عندما عدت بخزانة ملابسي «الكاجوال» ووجهي الخالي من المكياج سمعت الكثير من التعليقات السلبية عن مظهري (يفشل) كما يقولون لأنكِ (بنت عز) فيجب أن تظهري ذلك، وإن لم تفعلي فما الذي سيقوله الناس؟.

 تصاحب هذه الملاحظات عادة جملة «ترا أنا أنصحك والله جميل يحب الجمال». لم أعد أعلم من الذي تغيّر المجتمع أم أنا! إن أسوأ شعور لدى الشخص أن يدخل مكانا فيبدأ من فيه بالحكم عليه وتقييمه من مظهره، فَمَن في المجتمع النسائي يعطي سعر وقيمة (تسعيرة) للشخص الذي أمامه وبناء على ذلك تتحدد طريقة التعامل معه، كأن تتفحص المرأة حقيبة اليد والساعة ثم الحذاء - أكرمكم الله - ثم المجوهرات فإن تعدت المبلغ 20 ألفا فأكثر إذن هي تستحق أن تدخل المجتمع الاستيتيكي وستحظى بالمباركة.

 هناك حادثة ذكرتها لي صديقتي عندما واجهت مشكلة أثناء تسجيلها ابنتها في مدرسة عالمية شهيرة، فتحدثت إلى مديرة ومالكة المدرسة التي لم تعطها اهتماما ولم تكترث بالنظر إليها واكتفت بقول «إن لم يعجبك ذلك، اسحبي ملف ابنتك»، أخبرتني صديقتي أنها التمست من مظهرها المبالغ فيه حب المظاهر فقامت بالإشاحة بيدها مرارا فظهر ما كانت تلبس ذلك اليوم من أساور ومجوهرات عالمية، ما إن لمحت تلك المديرة المجوهرات إلا وغيّرت معاملتها للأفضل، لا بل قامت بتنفيذ طلب صديقتي الذي كان مستحيلا، على حد تعبيرها.

فهنا تعدت المشكلة حدود المظاهر الاجتماعية وتحولت إلى مشكلة تنشئة أجيال قادمة على الطبقية وتبعياتها.

فمثل قصة صديقتي تعرضت لموقف لم أجد له تفسيرا منطقيا سوى أن من كانت تحدثني قد فقدت إحساسها بتقدير الذات عندما سألتني «كم الساعة بيدك الآن؟» فأخذت هاتفي وأخبرتنا بالوقت، فقالت «كلا، كم الساعة بيدك؟» فقلت لها لا ألبس ساعة يد لأنني استخدم الجوال، عقب ذلك كشفت عن ساعدها أمامي وأرتني ساعتها (ماركة) ثم ابتسمت ابتسامة الانتصار، بعد مرور ما يقارب الأسبوع من هذا الموقف وجدتها تشتكي لصديقاتها من كثرة الديون المتراكمة على زوجها، لم أتفاجأ لأن سعر تلك الساعة يعادل سعر سيارة. كذلك رأيت العديد من الفتيات اللاَّتِي يتعمدن إظهار المجوهرات بتقصير أكمام العبايات أو رفعها بشكل ملحوظ ومستمر.

 إن النظرات الفاحصة لكل شخص يدخل المكان كافية لكي نعرف أن بعض أمهات المستقبل أو حتى الأمهات قد فقدن ما تبقى لديهن من تقدير الذات، فحين تستمد إحداهن إحساسها بالأمان من حقيبة يدها أو قطعة معدنية، نعلم أن الأجيال القادمة ستعاني نقصا على جميع الأصعدة. فمتى أصبحت قيمة الإنسان بنعاله؟ أنا لا أخص الشخص الذي يعجبه شيء فيشتريه دون المبالغة والتديّن والإسراف.

مثال أخير، أثناء زيارتي لأحد البنوك سمعت إحدى الموظفات تستشير صديقتها لشراء سلسال من ماركة عالمية فنصحتها صديقتها ألا تشتري سلسالا آخر في حال لم تجد ما تريد، فقالت لها «مستحيل، أنا شارية شارية حتى لو ما عجبني»! أنا لا أعمم على الجميع، ولكن في نهاية الأمر يجب أن يراقب الشخص نفسه ويتربص لها كلما قابل شخصا للمرة الأولى بسؤال نفسه عدة أسئلة: «هل نظرت إلى ما يلبس وحاولت معرفة قيمة ما يرتدي؟ هل حكمت عليه قبل أن يتحدث إليّ؟ هل حاولت أن أستعرض ما لدي لكي أكسب اهتمامه ؟».

 قيمة الإنسان تقدر بروحه وطيب نفسه وعلمه، كما ورد في قصة سقراط عندما وقف رجل وسيم وأنيق أمامه، وأخذ يتباهى بمنظره فقال له سقراط: تكلم حتى أراك. فإن منطق الشخص مع شيء من الفراسة يدل على صفات الشخص ومدى ثقافته وقوته أو ضعفه. ما زال هنالك وقت لكي نتميّز.