رغم أننا في إجازة، لكن دعوني أكتب هذه الرسالة لمعلمات المرحلة الابتدائية في السعودية، اللواتي لا أشك أن نسبة كبيرة منهن مميزات جدا، ويبذلن الكثير، لكننا نكتب للإصلاح.
لذا، هذا المقال هو لفئة معينة، لست متأكدة من نسبتها، لكنها موجودة ودعوني أطلق على ممثلتها في المقال، أبلة منيرة.
أبلة منيرة، أعرف أنك يا سيدتي تعملين لنظام كان يرى أن معهد المعلمات والكليات المتوسطة كافية لإعداد معلم المرحلة الابتدائية، ثم قرر أن يحصل معلم الابتدائي على تعليم جامعي، لكن ما زال الغالبية من زميلاتك يحملن تعليما ثانويا دون تدريب وتطوير جاد، أو حتى خطة لإحلال كوادر شابة تخرجت حديثا.
لكن تطوير ذواتنا والتأكد من جدارتنا بفتح -ليس فقط- أبواب الفصول على هذه القلوب الصغيرة، بل فتح الكون كله له، مسؤوليتنا نحن، فكل طالبة هي مشروعك الصغير الذي يجب أن تعدي له جيدا، وفي رأيي أهم نقاط هذا الإعداد أن تتأكدي من معرفتك بخصائص مرحلته، فكما تعرفين يا أبلة منيرة، كل مرحلة سنّية تجمعها خصائص نفسية تؤثر في نوعية التعليم وأدواته.
أعرف أنك تعملين وحدك في الفصل، وفي العالم المتطور هناك دائما معلمتان، لكنهم يعملون ساعات أطول، بينما أنت تخرجين الساعة الحادية عشرة، مما يدفعني إلى التساؤل: هل لو غيّرت الوزارة هذا النظام، وجعلت اليوم ينتهي الثالثة بوجود معلم مساعد، ستقبلين؟
أعرف أنك لست مسؤولة عن منهج يطلب من فئة عمرية تعتمد على الإحساس والحواس في اكتساب المعرفة، أن تؤمن بالغيبيات والجنة والنار وعذاب القبر، وتصرّ على رحلة للآخرة وهم لم يكتشفوا الدنيا بعد، ويخبرهم عن الله بقصص يسمعونها ولا يرونها.
أتعرفين يا أبلة منيرة، لماذا يجب أن يستخدموا الصلصال وألعاب التركيب، لأن دور أصابعهم يسبق كثيرا دور قلوبهم في اكتشاف الأشياء، لذا لو لمسوا زهرة في حديقة سيعرفون الله أكثر من أن تكرري سؤال: مَن ربك؟ وتبتسمين، وهم يرددون ربي الله الذي رباني بنعمه.
لكنك المنهج الحقيقي، ولقد أسماه الأمير خالد الفيصل، المنهج الخفي، وهو قد يكون جيدا لو وعيت دورك وخصائصهم، وجعلت الدرس مسرحية يؤدونها في زاوية من الفصل، أو حتى حقلا يزرعونه خارجها. تحتاجين فقط إلى مراجعة المواقع المتخصصة في تدريسهم، وستجدين أفكار المعلمين حول العالم فيها.
إن الحديث عن المنفعة من فعل القيم والوعد بالجنان، ليس شيئا يهمهم، هم يؤمنون بما يَرَوْن ومرجيحة واحدة تهمهم أكثر من نهر جار، هم يفكرون أكثر في الاحتضان، وبصورة أدق في ابتسامة ماما وبابا، لأنهم فعلوا شيئا جيدا، لذا تذكري جيدا ألا تفسدي هذه العلاقة بإصرارك على تعليمهم الحكم على الأشخاص لا السلوك، فعبارات مثل المدخن سيئ يجب أن تتغير إلى التدخين عادة سيئة.
ثم هناك أمر مهم جدا، بيوت الناس ليست بالضرورة تشبه بيتك، والمذاهب الفقهية أكثر من مئة مذهب، والأمور المختلف فيها، وجودها يعني أن تحترميها، فقولك لطفل: إن المرأة التي تكشف وجهها فاسقة سيغضبه من أمه قليلا، لكنه بعد فترة سيوقن أن الفساق كائنات جيدة تحتضن وتحكي القصص آخر الليل وتصلي الفجر حاضرا.
الخطابات العاطفية التي تجعلهم يبكون داخل الفصل خوفا من النار ليست تعليما، بل عندما يكبرون يوما ما سيذكرون أنك عرضتهم لموقف محزن، ووضعتهم تحت ضغط ربما يؤثر على نموهم، الله سبحانه وتعالى لم يطلب منهم أن يخافوا، فلم يلزمهم بالتكليف حتى البلوغ، فلماذا يعيشون هذا التوتر وهم عصافير الجنان وأحباب الله؟
ثم إن اللعب على العاطفة لا يغير الإنسان، بل ما يغيره هو تغيير التفكير، وفتح الآفاق، وستكونين معلمة جيدة إذا استطعت مساعدتهم في امتلاك أدواته.
ذات يوم، شكا طفل في الصف الأول الابتدائي إلى وزير التعليم كثرة الكتب، وتعجب أنهم يحرمونه من اللعب، ويريدونه أن يتعلم ببساطة.
يا أبلة منيرة، هم يتعلمون باللعب، لذا الواجبات الكثيرة لن تساعد في تقدمهم، بل ستحرمهم من سنوات الطفولة، فلا تشاركي في ذلك.
تذكري دائما أنك أول ذكرى يحتفظون بها لعالم خارج البيت، اسمك سيظل معهم طوال عمرهم، وسيكون جيدا أن يذكرونه مقرونا بالضحكات والألعاب والأغاني المبهجة.