حين كنت في العاشرة من عمري حضرت زواج ابنة عم لي، ألعب مع الصبيان على أطراف الأنوار الضعيفة، فاجأني شخص كبير من أقاربي حين وضع عصا طويلة في يدي وطلب مني أن أقف على مدخل الدار وأعترض طريق سيارة الزفاف!
فعلت دون أن أفهم السبب، وما كادت السيارة تهم بالدخول حتى اعترضتها بعصاي فتوقفت، نزل منها شاب من أقارب العريس، توجّست خيفة منه، تقدم نحوي، نزع ساعته من معصمه وناولني، ساعة صليب "وست إند" وطلب مني التكرم بالسماح للسيارة بالدخول، تلفت يمينا ويسارا وغادرت الحفل فورا، وصلت بيتنا ووضعت الساعة بجانبي ونمت.
في الضحى، صحوت لأضبط تحركاتي على الساعة، فتشتُ عنها لم أجدها، أخبرتني أمي أنها أعادت الساعة لصاحبها الذي أرسل يطلبها وأرسل لي بدلا منها خمسة ريالات عدا ونقدا. فيما بعد عرفت أن الساعة التي انتهت إلى خمسة ريالات كانت إرضاء لي مقابل سماحي بزواج ابنة عمي من شخص آخر فأنا ابن عمها والأحق بها، وأن المسألة كانت مجرد رمز لهذا الاحتكار، وتحويله إلى حركة متفق عليها من حركات تهدف إلى إشعار العريس بأن حصوله على العروس ليس أمرا سهلا فدونه من العقبات ما دونه.
أما الترميز الأكثر طرافة، فهو ما يفعله الصبيان حين يحضرون حفل زواج ثم لا يحصلون من العريس على هدايا، غالبا حلوى أو عشاء مبكر، وبدلا من خلق فوضى تكدر الحفل وتقلل من قيمتهم وتعرضهم للعقاب؛ فإنهم يغادرون الحفل بهدوء إلى أقرب ساحة خالية ويحفرون فيها حفرة ويدفنونها وينصبون عليها أحجارا على اعتبار أنها قبر العريس البخيل الذي لا فائدة من حياته، وينوحون ويولولون عليه ساعة من الليل ثم ينصرفون إلى لعبهم بضمير ارتاح!.
وكلا الترميزين صارا تاريخا وانتهى.
السيطرة على العادة العنيفة أو المشاعر الغاضبة وتحويلها إلى رموز، إنما هو رفض لها وتمهيد للتخلص منها، وقد كان. وأعتقد أن هذا فعل سلام وسلوك حضاري.
لجيزان عيوبها لكنها بطبيعتها طاردة للعنف والتطرف بكل أشكاله.