في مقابلة مع الروائي البرازيلي جورجي أمادو وردَ قولٌ لافت في أن (الإجماع أمرٌ خطير. إنه شيءٌ سلبي).. قد يكون هذا القول لا يوافق ما استتبّ في الذهنيّة الاجتماعية والسياسيّة لأمتنا العربيّة بخاصة في جانبها القيادي والمسؤول عن تسيير دفّة أمور المجتمع في مسار لا يحتمل اثنين.. مَن يدخل المسار ينبغي له التزام الكلمة الواحدة والموقف الواحد وردّ الفعل الواحد. وما عدا ذلك يعتبر شذوذا لا يُرتضى، ويقتضي استخدام المطرقة لدقّ رأس المسمار الذي لم يلتحم جيدا بخشبة الإجماع؛ ليصبح السطحَ ناعما لامعاً شديد الانزلاق. لا أثر عليه من شغب الأقدام التي ربما يبدو لها أن تعدّل في المسار أو أن تغيّر العربة أو تعيد ترتيب المقاعد.

الإجماع هنا غير ذاك الذي درسناه في الفقه القائم على (سندٍ من دليلٍ أو أمارة) ويعمل على إشاعة الاستقرار في أمور التشريع بديلا عن الفوضى والاضطراب. إنه الإجماع الهائم على هوى السلطة وميل ريحها، وما تحدّده رغبات الساسة وفرقهم التابعة تعزف على ذات الأوتار وتصدر ذات النغمات دون نشاز أو خروج على النوتة الأصلية. هذا هو الإجماع الخطير والسلبي حين تتصدّى جماعة سياسيّة إلى فرض أجندتها على المجتمع، وتراها إلزاميّة، وسواها مروق وخيانة وشرخ في الجدار وصدع في الأرض الثابتة ولعب واستهانة بآمال ومقدّرات الأمة.. الأمة التي لا يعرف مصلحتها إلا نفرٌ قليل تسنّموا السلطة ـ في غفلةٍ من الزمان وما أكثر غفلاته وغفواته ـ على دبّابة وبإعلان إذاعي وبحراسة مخابراتية تحصي الأنفاس، وبأوراق اقتراع تخزّ عين المائة ؛ تتكرّر في مشهد الضحك الأشبه بالعويل على أوطانٍ تمضي إلى مستقبلٍ هو العذاب؛ تكرّرت صورته حاضرا وماضيا!!

هذا الإجماع هو عذابنا وجحيمنا الذي لا يُحتمَل.

هو مرضُ الجذام الذي يقرض أطرافنا وإنْ أخفيناها تحت (أغلى الثياب وأرقّها وأجملها) لأن يوماً قادما سوف يكشف المستور عن الإجماع الخادع المزيّف.

إن الوعي بمسألة الاختلاف والتنوع والتعددية وفتح الأبواب والنوافذ لهواء التغيير، وإفساح المجال لكل أطياف المجتمع أن تعبّر عن نفسِها بحريّة؛ لَهِيَ شبكة الأمان من الصدوع والبراكين والزلازل التي عندما تأتي لن يفيد ترديد كلمة الإجماع الوهمية وإعادة لَوْكِها؛ لبانةً فقدتْ طعمها وانتهت صلاحيّتها إلا في فم الماضغ المسترخي فيما المياه تمرّ من تحت الجسر.