لا أدري إن كان هناك كلام يمكن أن يقال الآن عن نيلسون مانديلا الذي عاش العالم ذكرى ميلاده في الـ18 من يوليو الجاري، فكل ما قيل لا يسعف في التعبير ولا في التقدير، ولكن كلما قرأت في وسائل التواصل الاجتماعي أن البعض يشبّه عزمي بشارة أو الإخواني المعزول محمد مرسي بنيلسون مانديلا، قلت، بتأوه ما هذا التشبيه المبتذل؟ نعم للأسف أقولها بكل صراحة هذه الروح الماندلية الواسعة التي عجنت بالحب والتسامح حتى مع ألد الأعداء، والتي استطاعت أن توحد كل العالم، أصبحت عند البعض منحسرة في معاقل الهويات المغلقة والمتخشبة، هو تشبيه يكشف في واقعه مدى فداحة المناخ الموبوء الذي صار فيه مانديلا، السجين المسكون بوجع الإنسانية جمعاء محاصرا بأسيجة ضيقة تلونه على طريقتها وتقتل فيه رمزيا كل حس وحدوي وإنساني. هذه الشخصية التي استطاعت بنضالها أن تنقل أحد أعتى المجتمعات عنصرية إلى جادة التوازن، بعدما كان نظامها (أبارتايد) وصمة عار في جبين البشرية، إذ كانت غالبية الدول الغربية داعمة لهذا النظام الجنوب أفريقي بالأموال والاستثمارات على كافة الأصعدة، بل حتى إن جامعة عالمية كجامعة هارفارد استثمرت ما يزيد على ملايين الدولارات في جنوب إفريقيا، ولكن عندما بدأت الاحتجاجات الشعبية، وأصبحت الأمور تضيق على النظام العنصري، خرج حينها نيلسون مانديلا من سجنه مرفوع الرأس، فأرادت الجامعة وقتها أن تكفر عن سيئاتها وقررت منحه دكتوراه فخرية، إلا أنه رفض هذه الشهادة التي يحلم بها أي إنسان إلى أن وافق أخيرا، وعمل له احتفال كبير جدا وتكريم خاص لم تكرمه الجامعة من قبل إلا لشخصين في الغرب هما جورج واشنطن وونستون تشرشل. فقيل حينها، إن مانديلا، في واقع الأمر كان هو الذي يكرم «هارفارد» وليس العكس، وقد قال أحد منظمي الحفل حينها من يكرم من؟ وقد تم تثبيت هذه المقولة في أدبيات الحفل. كم هم عدد المكرمين في «هارفارد» أو غيرها الذين قيل فيهم ذلك، أو اعتبروا كذلك؟ لا أحد.

في الفيلم الذي تم عرضه قبل سنوات عن مانديلا والمقتبس من كتابه (خطوة طويلة للحرية) كان يقول بحرقة: إن أشد ما آلمني عندما بدأت التفاوض مع دي كليرك وأنا في السجن، هو ظن بعض رفاقي السوءَ بي، واتهامي بأنني قد بعت القضية، إلا أنه لم يكن له أن يحقق ذلك إلا بعمل مؤسسة خاصة بنبذ التمييز كحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، هو لم يدع أبدا إلى حقوق السود أو سيطرتهم بحكم غالبيتهم، بل ظل يدعو إلى بلد تتعايش فيه الأعراق والديانات، وهكذا ظل 27 عاما في السجن، اختار أن يتسامح ويسامح، اختار السلام ليس في الحياة السياسية فقط، ولكن داخل نفسه، فغسلها من الكراهية ونقّاها من الضغائن، فكان أن حقق أصعب إنجاز: نفسا صافية لا تحمل الكراهية حتى لجلاديها.

الأسئلة هنا: كيف وصل مانديلا إلى هذه المرتبة العالية في قلوب الناس؟ كيف أصبح أيقونة العصر؟ كيف صار قبوله في الضمائر غير مشروط؟

نعم هو ظاهرة في التسامح قد لا تتكرر، خاصة في زمننا الموبوء بالكراهية والعنصرية.

أخيرا أقول: المشكلة أن البعض يحاول أن يعلب هذه الشخصية الملهمة، ويحبسها في قمقم ثقافته التي ليس فيها أي قضية.