تكوّن النظام العالمي بعد الحرب العالمية الأولى في مؤتمر فرساي عام 1919 على أساس أمني بحت من خلال عصبة الأمم. ثمّ تأسّس النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية على أساس أمني أيضاً، وكانت الأمم المتحدة ومجلس الأمن من أهمّ ثمراته. وبعد أن تداعت وظيفة مجلس الأمن في حفظ الأمن والسلم الدوليين وظهور مخاطر أمنية حديثة، عادت الهواجس الأمنية لتشكّل الرابط الأساس للنظام العالمي الجديد. وأصبحت التحديات الأمنية، من الإرهاب إلى التطرّف العنيف إلى الأمن الفضائي والأمن الاقتصادي والأمن البيئي وغيرها من التسميات الجديدة تسيطر على الأدبيات السياسية العالمية. وربما نكون أمام ثقافة بشرية جديدة، تتلخص بكلمة واحدة، وهي الأمن ثم الأمن ثم الأمن.
أميركا الدولة الكبرى أو العظمى منشغلة باختراقات العملية الانتخابية والتحقيقات التي تجري حول تدخّل روسي في الانتخابات الأميركية، بالإضافة إلى عملية اختراق البريد الإلكتروني للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون إبان الحملة الانتخابية، واختراق حسابات البرامج الخاصة للشركات الكبرى، ناهيك عن التداعيات الأمنية الأخرى والتي تجعل من أميركا منشغلة بموضوع واحد هو الأمن.
الأمر عينه بالنسبة لأوروبا، وكان آخرها التطورات التي أدّت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بسبب الأمن الاجتماعي ونزوح مواطني دول الاتحاد الأوروبي الفقيرة إلى بريطانيا وأثره على الأمن المجتمعي والاقتصادي والفردي، بالإضافة إلى عوامل أخرى أدّت إلى التصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي رغم آثاره الكارثية على الاقتصاد البريطاني على المديين المتوسط والقريب، مع الحديث عن دول أوروبية أخرى قد تذهب باتجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي لأسباب أمنية أيضاً.
المتابعون للانتخابات الفرنسية الأخيرة يجدون أن الأمن كان العنوان الأوّل في حملة المرشّحين، وخصوصاً بعد العملية الإرهابية التي سبقت المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية والتي ساعدت مرشّحة اليمين المتطرف مارين لوبان في التأهّل للمرحلة الثانية وللمرة الأولى. وكذلك تسيطر الهواجس الأمنية على كلّ دولة أوروبية منفردة بإطار السيادة الوطنية والخوف من تداعيات الحدود المفتوحة، رغم أهميتها بالنسبة للاقتصادات الأوروبية، مما يجعل الهواجس الأمنية في صلب مستقبل الاتحاد الأوروبي.
انعقدت في الأسابيع الماضية قمة الدول الصناعية السبع في إيطاليا، وكان الهاجس الأمني في مقدمة الموضوعات. وكذلك الأمر في قمة العشرين في ألمانيا وما صدر عنها في هذا الخصوص، ممّا جعل الأمن وتطوّراته على رأس الاهتمام الدولي الاقتصادي والصناعي والاجتماعي والثقافي، هذا بالإضافة إلى التحالفات الدولية لمكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات وغيرها من ابتكارات جديدة لمواجهة التحديات الأمنية.
الأمر عينه بالنسبة إلى منطقتنا، إذ أصبحت الهواجس الأمنية على رأس أولويات الدول العربية. وفي هذا الإطار، جاءت القمة العربية الإسلامية الأميركية واستحداث مركز اعتدال لمنع ظواهر التطرّف العنيف، مع ما جاء في القمة الأميركية الخليجية والدعوة إلى تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، وقرار الدول العربية الأربع الداعية إلى مكافحة الإرهاب باتخاذ مواقف سياسية تجاه قطر لنفس الأسباب، ممّا يضع مسألة الأمن الوطني والعربي في رأس أولويّات الدول العربية القاطرة للاستقرار.
يبقى الواقع المؤلم في دول النزاع التي تواجه تحديات أمنية مفزعة على كل المستويات، والتي جعلت من السكان العرب الأصليين في المشرق يعيشون في خيم النزوح مع تحديات الجوع والمرض والضياع الإنساني بكل أشكاله وأهواله. ولا نستطيع أن نصف حقيقة ما يتعرّض له الشعبان السوري والعراقي من مشروع إبادة بكل ما في الكلمة من معنى.
أصبح الأمن بالنسبة للبشرية هو في المرتبة الأولى قبل الماء والهواء والرغيف، ولم يعد الأمن كالسابق يحتاج إلى بوليس يقف على زاوية الطريق ليشعر الناس بالأمان، ولم يعد الأمن مرتبطا بالجيوش الجبارة والطائرات والدبابات، ولم يعد الأمن مرتبطا بالقوات البحرية العابرة للمحيطات وحاملات الطائرات. حتى الأمن التكنولوجي أصبح غير كاف. الأمن الآن هو إيمان وثقافة وأسلوب حياة من أجل سلامة الإنسان، ممّا يعني الأمن ثم الأمن ثم الأمن.