يقال في الأمثال «رضينا بالهمّ، والهمّ ما رضي فينا»!، بما أن الفن أذواق، ولكل فرد ذائقته الفنية، والقلب وما يهوى، هنا نستطيع أن نتفهم انتشار النوع الذي اقتحم مجتمعنا من الأبواب الأمامية بحجة أنه بلا موسيقى! ولكن أن ينحدر هذا النوع من الفن، إن سمح لنا أن نطلق عليه ذلك، حتى يصل إلى الدرك الأدنى من الأخلاق والذوق فهنا تكمن المشكلة!

لماذا أعترض؟! مجرد بحث بسيط على «يوتيوب» فسوف تجد العجب العجاب! وهنا لا أعني فقط المحتوى، بل العناوين، وأحيانا الصور التي تصحبها، مثلا تجد عنوان «شيلة حماسية تخليك تصفي الطبلون»! وطبعا ظهرت بأشكال مختلفة، ولكن أبقت على الروح... يسعد روحهم التي تشجع على ضياع الأرواح! ثم تدقق في أرقام المشاهدة فتجدها تصل إلى ثمانية ملايين والعدد في ازدياد! والمصائب من هذا النوع حين تضرب تأتي على الأخضر واليابس، وكأن الأخلاق عندنا ينقصها من يأتي ويحرق ما تبقى منها لدى الشباب الذين غزت تعليقاتهم السفيهة مواقع التواصل الاجتماعي حتى جعلت الكثير من الخارج يظن أننا شعب بلاأخلاق! نعم نحن غير ذلك، ولكن للأسف ماذا تفعل وهم جيش جرار يدخلون في كل محادثة أو موضوع يخصهم أو لا يخصهم، ويبدؤون بالهجوم، بألفاظ لا تعلم من أين أتوا بها، وأصبحت ماركة مسجلة! ومرة أخرى لا أعني شبابنا الواعين المثقفين الذين يقفون بكل صلابة عند تعاليم دينهم وأخلاقهم، من أتحدث عنهم هم من تصدروا هذه المواقع، ولا يعطون فكرة سلبية عنا وحسب، بل يجيشون الكراهية والعداء ضدنا!

من وصله بعض هذه المقاطع للشيلات مؤخرا يجد منحى جديدا في الموضوعات؛ تأجيج النزعة القبلية! وكل واحد لا يفقه شيئا عن ماهية القبيلة من شهامة وعزة وكرم بتاج من الأخلاق والقيم التي ورثناها عن الأجداد، أجداد وصلتنا قصص أمجادهم، نفتخر بها ولا نجعلها سببا في التعالي أو التفرقة، بل التوحد والسعي إلى الأفضل، وهنا نجد شابا وربما مراهقا ليس لديه تاريخ أو أي إنجاز غير غزوات «التفحيط» والألعاب البهلوانية الخطرة بالسيارات بمختلف أنواعها، أو إنسانا فاشلا لا يستطيع أن ينجح في مهنة أو عمل، يطل علينا بصورة مختلفة، يحمل مقاطع تتحدث عن الفخر والعزة؛ منفوش الريش ينطبق عليه المثل: «القرعة التي تتباهى بشعر ابنة أختها»!

والصور المصاحبة لبعض المقاطع، حدّث ولا حرج، فعلا توقفت عندها لأنني لم أعرف كيف أصفها، جنون، مرض، استهتار، همجية؟! هؤلاء من يعتبرهم الكثير من الأطفال قدوة! شباب يقومون بحركات بهلوانية خلال سير السيارات بسرعة جنونية! فإن لم تصبك الصورة قتلتك كلمات الشيلة، واتفرج يا سلام على سيرك «الجنان»!

لنلاحظ كيف بدأ الأمر، وهنا لا أعني أنه كان مخططا له، لا سمح الله، ولكن أتحدث عن تطور الأمر، شيلات دينية من دون موسيقى حتى تعود الناس عليها وبدأت تدخل ذائقتهم، ومن ثم تحولت الموضوعات إلى اجتماعية يتخللها بعض الحب والغرام، ثم دخلت الشيلات الحماسية وتربعت على العرش، وهذا ليس لأنه لا توجد لها أرضية، بل لأن ما يحصل في الواقع تم نقله ليعكس انحطاطا في الأخلاق والمبادئ والقيم والابتعاد عن روح دين الإسلام السمح! نعم الفن يرتقي، ولكن أيضا الفن يعكس مجريات المجتمع الذي يمثله، تابع تاريخ الموسيقى في أميركا وحتى العالم العربي؛ مثلا من الثلاثينات إلى يومنا هذا، ستجد كيف أن تغير المعتقدات وتحول المبادئ والقيم الأخلاقية؛ بمعنى ما كان غير مقبول وغير مباح، ظهر تدريجيا في أعمال الكثير من الفنانين والفرق الموسيقية، لا أعني غالبيته ولكن أعني جزءا كبيرا منه والذي كان له التأثير على الكثير من الشباب.

ما يجري أمام أعيننا يجب التوقف عنده والتفكر والتدبر، غير مسموح لنا بأن نعتقد بأنها مرحلة تمرّ وتنتهي، لا لن تمرّ قبل أن تدمر الكثير من شبابنا نفسيا وأخلاقيا، هذا إن لم تسهم في زيادة أعداد الحوادث التي تحصد الأرواح وتقضي على أسر! لنذهب إلى الجذور وندرس الأسباب التي تجعل هذا النوع من الشباب يشعر بالضياع لدرجة أنه لا يجد نفسه إلا مع هذه النوعية من الشيلات والتصرفات غير الأخلاقية التي تتبعها، هل هو الفراغ؟ هل هو ضعف في التهيئة الأخلاقية من المنزل ومن المؤسسات التربوية؟ هل هو التحدي والعناد؟ هل هو البحث عن إثبات الذات مع غياب لغة الحوار والافتقار إلى أدنى مهاراتها؟ لم يأتوا من بطون أمهاتهم هكذا، هنالك مجتمع قام أو أسهم في صناعتهم، ومن هذا المنطلق يجب أن نفكر في كيفية إنقاذ من تسرب منهم وحماية البقية.