مثلما كان أبو الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس في عصره، صار موقع ويكيليكس كذلك في عصرنا هذا!.
الفارق الوحيد برأيي أن المتنبي ملأ الدنيا وشغل الناس بحكمته وذكائه ولغته وتراثه الشعري العظيم الذي يضم حوالي 326 قصيدة، تعد من المفاخر العربية في هذا الفن، بينما ملأ ويكيليكس الدنيا وشغل الناس بكم هائل من الفضائح التي ستؤثر بالسلب على كثير من العلاقات سواء بين الأشخاص في الوطن الواحد أو بين الحكومات، أو بين الشعوب وحكوماتها!.
صحيح أن الذنب كله هنا لا يقع على ويكيليكس، وإنما يقع في المقام الأول على أصحاب الوثائق المخزية التي نشرها ويكيليكس – كما يقول عزمي بشارة -، ولكني أعتقد هنا أن عبارة "ناقل الكفر ليس بكافر" لا تبرئ ساحة ويكيليكس تبرئة تامة، وإنما هو – برأينا – مشارك أصيل على الأقل فيما أحدثه وسيحدثه نشر هذه الوثائق من فرقة دولية ومجتمعية على مستوى العالم.
ومن هنا، فأن تكون مالئاً للدنيا وشاغلاً للناس بالفكر والأخلاق والسمو والرقي والبناء شيء، وأن تملأ الدنيا وتشغل الناس بالفضائح والمخازي شيء آخر!.
وأعلم يقيناً أن مثل هذا القول قد ينفر البعض، على اعتبار أن هذه الفضائح والمخازي – إن صحت بالطبع – ينبغي أن يحاسب عليها أصحابها لا الموقع الذي نشرها، ولكن المتابع للوثائق التي نشرها ويكيليكس حتى كتابة هذه الفضفضة يجد أنها احتوت على كثير جداً من الأمور الشخصية التي لا ينبغي أن يحاسب عليها الإنسان طالما أنها لم تضر أحداً، ومن هذا المنطلق فإنني أدعو كل من طالت هذه الوثائق أموره الشخصية أن يقاضي ويكيليكس، إذ أعتقد – بحس قضائي غير متخصص – أنه سيكسب القضية.
وفي النهاية، لا أرى أن الوثائق التي نشرت والتي لم تنشر بعد، ستكون آخر أو أقوى ما تستطيع المواقع الإلكترونية صناعته من فضائح، ما يحتم النظرة إلى هذا العالم العنكبوتي المخيف نظرة أخرى – عربياً على الأقل – لحماية المجتمعات من تفشي الظواهر السلبية التي تقوض ما تم إنجازه عبر سنوات طويلة، سواء على مستوى البناء المادي، أو البناء النفسي والعقلي والأخلاقي لأبناء أمتنا، ولا أدري كيف ستكون هذه النظرة الأخرى، ولكني أعتقد أنها قادمة.. لا محالة!.