ونحن نودع العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، تزف لنا إحصائياتنا القياسية، نموا غير مسبوق في فائض ميزانياتنا؛ حيث قدر المختصون بأن تحقق المملكة فائضاً في ميزانيتها لهذا العام، نظراً لكونها ستحقق إيرادات متوقعة بنحو 659 مليار ريال بعد استقرار أسعار النفط على متوسط مرتفع خلال العام الجاري عند 72 دولاراً للبرميل. ومع ذلك فما يقارب من خمسة ملايين سعودي مدينون للبنوك وشركات التقسيط بمبلغ يتراوح بين 320-350 مليار ريال؛ أي ما يزيد عن نصف الموازنة التقديرية للحكومة لعام 2010م. ومعنى ذلك أن معظم البيوت في المملكة ترزح تحت وطأة الديون؛ مع كون الدولة تحتفظ باحتياطي نقدي يعتبر من أضخم الاحتياطات النقدية في العالم. يجب علينا تحديد الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها هل هي حالة تنمية أم حالة نمو؟
الفرق بين التنمية والنمو، هو كالفرق بين السماء والأرض، فالتنمية تعني تنمية الإنسان، الذي بدوره ينمي الاقتصاد، وتكون أرقام وإحصائيات النمو الاقتصادي لديه جزءا من تنميته؛ وهذا ما يسمى بالاقتصاد الإنتاجي (Productive economy). أما النمو الاقتصادي وحده، فليس بالضرورة أن يعبر عن تنمية الإنسان، فقد يكون نموا ناتجا من نمو مورد اقتصادي وحيد لديه، لا دخل للإنسان فيه، حيث ينمو الاقتصاد بمعزل عن تنمية الإنسان من عدمها، وهذا ما يطلق عليه بالاقتصاد الريعي (Renteer economy).
إذاً فهنالك نوعان من الاقتصاد، الاقتصاد الإنتاجي والاقتصاد الريعي. فالاقتصاد الإنتاجي هو النمو والازدهار الاقتصادي الناتج من عملية إنتاج شعب ما، مثل اقتصاديات دول أوروبا وشمال أميركا ودول شرق آسيا. وهذا النوع من الاقتصاد ينمو ويتحسن بنمو وتحسن جودة إنتاج شعوبها. فالشعب الذي ينتج بضائعه بطريقة أمهر من غيره، تكتسح بضاعته أسواق العالم وتحظى بالحصة العظمى منها؛ وعليه يزداد دخله نتاج مبيعاته الخارجية. إذاً فتنمية قدرات الشعب وإمكانياته ومهاراته، تكون سابقة على نموه الاقتصادي، ونموه الاقتصادي نتيجة لتنميته البشرية الحاصلة مسبقاً على نموه. أي هي تابعة لتنميته وليست فوقية أو طارئة عليها.
وتكمن قوة ومتانة اقتصاديات مجتمعات الاقتصاد الإنتاجي في ذات مجتمعاتها، كما تكمن قوة اقتصاديات مجتمعات الاقتصاد الريعي في وفرة وكثرة احتياطياتها من مخزوناتها الريعية، من نفط أو ذهب أو فوسفات أو ما شابهها من خامات تحتاج لها ماكينات إنتاج مجتمعات الاقتصاد الإنتاجي أو حاجيات شعوبه. أي أن قوة ومتانة اقتصاديات مجتمعات الاقتصاد الإنتاجي تقبع وتتنفس وتتحرك وتتكاثر وتتطور فوق أرضها (شعوبها) ويزداد إنتاجها بزيادة شعوبها. أما قوة اقتصاديات مجتمعات الاقتصاد الريعي فتقبع خامدة تحت أرضها، وتنقص دوماً بقدر ما يستنزف منها أو بزيادة شعبها؛ المتكل دوماً في إدارة حياته وتنميته الهشة على ريعها.
فاقتصادان إنتاجيان مثل الاقتصاد الياباني والألماني، سحقا سحقاً شبه كامل في الحرب العالمية الثانية. ولكن كل منهما استعاد عافيته بأقل من ثلاثة عقود، وغزا بإنتاجه أسواق من دمرته وغزته آلته العسكرية "الولايات المتحدة الأميركية". وذلك لكون اقتصاديات البلدين هي إنتاجية تعتمد على شعبيهما، اللذين برغم تدمير بنيتهما التحتية الصناعية والمدنية، إلا أن العامل والفاعل الرئيسي في بنيتهما الاقتصادية هو الإنسان، والذي أكسبته الحرب المزيد من الخبرة والتجربة والإصرار على إعادة بناء اقتصاديهما، وبأن الحرب، التي وقودها المال والإنسان، لا يمكن أن تكون حلاً لأي مشكلة مهما عظمت، ما دام الإنسان، هدف التنمية. إذاً فالقوة الحقيقية تكمن في الشعب، الذي هو مصدر الإنتاج؛ وليس بالإنتاج ذاته. حيث في ظل غياب الإنتاج بسبب كارثة بيئية أو إنسانية، سرعان ما يعوضها الشعب، الذي أنتجها أولاً ويستطيع إنتاجها ثانياً وثالثا وإلى ما لا نهاية. ولكن عندما يكون اقتصاد الشعب قائما على إنتاج ثرواته الطبيعية لا غير؛ فعند فقده مصدر ثرواته الطبيعية، بسبب كارثة بيئية أو إنسانية، أو مخترع جديد أكثر فعالية من ثروته الطبيعية؛ هنا يقع الشعب في كارثة إنسانية، لا يعلمها إلا الله.
يعرف علماء الاقتصاد والاجتماع التنمية بأنها "مجموعة العمليات الواعية التي يتم بموجبها تحقيق النمو أي الزيادة الحقيقية في الناتج القومي الإجمالي". ويؤكد علماء الاجتماع على أهمية، شرط عدالة التوزيع، حتى لا تتركز الثروات في أيدي القلة القليلة من التجار على حساب الأكثرية الساحقة من الناس.
أما النمو الاقتصادي فقط فيؤدي حتماً إلى استئثار عدد قليل من المجتمع بالثروة. وعليه تضمحل الطبقة الوسطى وتنحسر، وترتفع نسبة البطالة، وتتزايد نسبة الفقر، مع تزايد في الأسعار وارتفاع في نسبة التضخم، وتقلص في نسبة القوة الشرائية لدى أصحاب الدخول المحدودة. وبناء عليه يتدنى مستوى المعيشة، وتبرز التوترات الاجتماعية والاقتصادية ويزداد العنف وترتفع نسبة الجريمة.
بينما التنمية الحقيقية بمفهومها الشامل الاقتصادي والاجتماعي؛ تقود إلى النمو الاقتصادي. وتعزز وتطور علاقات الإنتاج و ترفع مستوى المعيشة، وتنظم المجتمع المدني. مع توفير الاحتياجات الأساسية للإنسان مثل التعليم والصحة والسكن والأمن والحرية والسلام. وقد عرف علماء الاقتصاد النمو والتنمية وفرقوا بينهما؛ وكان هذا نتاج دراسات ومراجعات اقتصادية واجتماعية معمقة، لتجارب الدول والشعوب. وقد نعتوا حالة النمو الاقتصادية الصرفة، بالمرض الذي يصيب اقتصاديات الدول، وأطلقوا عليه "مرض هولندا"،
(Duch desease). وهو مرض اقتصادي اجتماعي أصاب هولندا خلال السنوات 1900-1950م بعد اكتشاف النفط والغاز الطبيعي في الأراضي التابعة لها في بحر الشمال، حيث ارتفعت نسبة البطالة بسبب تفشي حالة الكسل بين طبقات الشعب الهولندي، كما ارتفعت الأسعار وأصبحت البضائع الهولندية غير قادرة على منافسة البضائع الأجنبية فانكمشت الصناعات التحويلية لديها. ومرض هولندا داء مزمن سبق أن أصاب إسبانيا في القرن السابع عشر الميلادي عندما هبطت الثروات عليها نتيجة اكتشاف واستغلال مناجم الذهب والنحاس في مستعمراتها في أميركا اللاتينية، كما أصاب أستراليا بسبب سباق الذهب المحموم في القرن التاسع عشر، وكذلك المكسيك والنرويج وأذربيجان ونيجيريا نتيجة اكتشاف النفط والغاز في أراضيها.
هذا المرض قابل للعلاج، والدليل نجاح الدول التي أصيبت به من معالجة اقتصادياتها وتحويلها من إنتاج نمو ريعي إلى تنموي إنتاجي، مثل هولندا وإسبانيا وأستراليا والنرويج وغيرها. فهل لدينا الشجاعة نحن كدول الخليج العربي بالاعتراف بأننا مصابون بمرض هولندا؛ ثم العزم على تحويل اقتصادياتنا من اقتصاديات نمو ريعية إلى اقتصاديات تنمية إنتاجية؟ وذلك من خلال تبني خطط تنمية اقتصادية اجتماعية، لا نمو اقتصادي بحت، نتفاخر فيه بالأرقام ولو أتت على حساب الإنسان.