الحمد لله على توفيق الله، وعلى تيسير الله، وعلى فضل الله. وقف الحجاج بالملايين على صعيد عرفات الطاهر، ووصلوا اليوم إلى الخطوة الأخيرة -تقريبا- في رحلتهم الإيمانية العظيمة، وهي الخروج قبل مغرب هذا اليوم الذي يُعرف بيوم النفر الأول، من مشعر منى، لمن أراد منهم التعجيل بالخروج، والتوجه إلى المسجد الحرام، وتوديعه بالطواف حول البيت العتيق.

خلاف كبير عن حكم طواف الوداع الذي يُسمى طواف الصدر، وطواف آخر العهد، للخارج من مكة، سواء كان حاجا أو معتمرا، أو غيرهما، وهل يفرق بين من كان سفره مسافة قصر ومن كان دون ذلك؟ وهل يفرق بين من أراد الرجوع لأداء طواف الوداع وبين غيره؟،

وهناك بحث مطبوع عن الموضوع للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ناقش موضوع طواف الوداع، وهل هو نسك مستقل أو من مناسك الحج؟، وتم التطرق فيه إلى أدلة الخلاف في حكمه، بين القائلين بوجوبه، أو بسنيته، وهل هو مطلوب من كل من نفر عن البيت بعد النسك، أو ممن ينفر خارج الحرم أو خارج المواقيت أو خارج مسافة القصر؟، ومتى يطالب بالرجوع من ترك الوداع، وهل يرجع محرما أم لا؟، وهل يجوز لمن أدى النسك أن ينفر مؤقتا من أجل شدة الزحام ثم يعود ليودع؟.

الجميل في البحث المتعمق، تلك الخلاصة التي لم تتحيز إلى جانب من قال بوجوب طواف الوداع، أو سنّيته، أعقبها قرار لمجلس هيئة كبار العلماء، جاء فيه: أن المجلس في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمدينة الطائف، ابتداء من 10/10/ 1399، حتى 21/ 10/ 1399، «تبين له أن العلماء مختلفون في مسائل طواف الوداع تبعا لاختلاف اجتهادهم، والخلاف فيها معروف بين العلماء، ومدون في كتب الأحاديث، وكتب الفقه والمناسك، وما زال عمل العلماء جاريا على الأخذ بما يترجح لهم دليله».

مع البحث المتعمق، والخلاصة الدقيقة، والقرار الرصين؛ لا أدري لماذا يصر بعض المتصدرين للفتوى على رأي الوجوب بطواف الوداع، الذي قال بوجوبه الأحناف والحنابلة، وبعض الشافعية، والتغافل عن القول بسنيته، والذي قال به المالكية، وبعض الشافعية؟ والحال ما نراه من تزايد في أعداد الحجيج، وغير ذلك من أمور توجب التيسير على خلق الله تعالى، والضعفاء منهم بالخصوص.