حبا الله المملكة موقعا جغرافيا، شرفها باحتضان قبلة المسلمين وأعظم مسجد في الإسلام. والذي شهد على مدى 14 قرنا العديد من التطورات والتوسعات، بدأت منذ عصر الخلفاء الراشدين ولم تتوقف إلى هذا الوقت بفضل من الله. فقد قام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في السنة الـ17هـ بأولى عمليات التوسعة، حين قام بشراء بعض البيوت القريبة من الحرم وهدمها، وأدخل تحسينات على المسجد، وأحاطه بجدار لتصبح مساحته 260 مترا مربعاً، وأكمل من بعده عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ نفس العملية، بشراء البيوت وهدمها عام 26هـ، كما قام بإدخال الأعمدة الرخامية إلى المسجد، لتصل التوسعة في عهده إلى ما يقارب الـ4390 مترا مربعا.
وفي عصر الدولة الأموية، قام عبدالله بن الزبير عام 60هـ، بإعادة بناء الكعبة بعد اندلاع حريق في ثوبها وخشبها، أثناء فترة حصار يزيد بن معاوية لمكة. وفي عام 91هـ، قام الوليد بن عبدالملك بتوسعة أخرى، بعد أن تعرض المسجد لسيل كبير، فزاد من عدد الأعمدة التي جلبها من مصر وسورية، وشيد الشُرفات ليستظل بها المصلون. وفي عصر الدولة العباسية، مر المسجد الحرام بثلاث مراحل للتوسعة، بدأها أبو جعفر المنصور عام 137هـ، واستمرت ثلاث سنوات، زاد فيها مساحة الركن الشمالي للحرم، فضلا عن تغطية فوهة بئر زمزم، وإعادة تصميم حجر مقام إسماعيل بالرخام. أكمل بعده «المعتضد بالله» المرحلة الثانية للتوسعة عام 281هـ، والتي استغرقت ثلاث سنوات، تم فيها إنشاء عدد من الأبواب، داخل وخارج الحرم المكي، بالإضافة إلى زيادة عدد الأعمدة. وأثناء المرحلة الثالثة عام 306هـ قام «المقتدر بالله» بزيادة مساحة المسجد، وإنشاء «باب إبراهيم».
ومع قيام الدولة السعودية في العصر الحديث، كان الملك عبدالعزيز أول من قام بعملية صيانة كاملة وإصلاح للمسجد عام 1344، استمرت عدة سنوات، شملت ترميم الأسقف وطلاء الجدران والأعمدة، وتجديد مصابيح الإنارة وزيادتها إلى ألف مصباح، وإنارة المسجد الحرام بالكهرباء وتنصيب المراوح الكهربائية، إلى أن بلغت مساحة المسجد 28 ألف متر مربع.
وأكمل الملك سعود بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ أعمال التوسعة عام 1375هـ، لتستمر نحو 10 سنوات، شملت فتح شارع خلف الصفا، وإعادة تصميم أرض المسعى، وبناء طابقين للمسعى، وبناء سقيا زمزم، وتوسعة المطاف وزيادة قبو زمزم بصنابير المياه، واستبدال الشمعدانات الستة بحجر إسماعيل بخمسة نحاسية تضاء بالكهرباء.
كما شهد عهد الملك فهد ـ رحمه الله ـ وضع حجر الأساس لأكبر توسعة حدثت للمسجد الحرام منذ 14 قرنا وبدأت عام 1409هـ، لتشمل إضافة مساحة جديدة من الناحية الغربية للمسجد، وإضافة مبنى جديد إلى الحرم لاستقبال الزيادات في الحج ومواسم العمرة. وتضمنت أعمال التوسعة إعداد الساحات الخارجية لاستيعاب المصلين، لتصل مساحة المسجد في ذلك الوقت إلى 356 ألف متر مربع.
وبعد أن تولى الملك عبدالله بن عبدالعزيز الحُكم ـ رحمه الله وأرضاه ـ تم اعتماد توسعة على ثلاث مراحل، تم تنفيذ مرحلتين في عهده لتشمل توسعة الساحات لتستوعب مليوني مصلٍّ وصحن المطاف، وذلك بإضافة 6 طوابق للطواف حول الكعبة، والساحات الخارجية وتجديد دورات المياه، ومنطقة الخدمات والتكييف ومحطات الكهرباء والمياه. وإنشاء 68 فندقا حول الحرم. وامتدت المرحلة الثالثة من التوسعة لعهد سلمان الحزم حفظه الله وسدد خطاه.
فبفضل من الله دشن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عام 2015، المرحلة الثالثة للمسجد الحرام، والتي من شأنها أن ترفع طاقته الاستيعابية إلى أكثر من 2 مليون مصلٍ للفرض الواحد و100 ألف معتمر وطائف في الساعة الواحدة. وتتألف التوسعة من خمسة مشروعات رئيسية، تشمل مبنى التوسعة والساحات والأنفاق ومبنى الخدمات، والطريق الدائري الأول، ويتضمن المشروع أيضاً إنشاء 78 باباً أوتوماتيكيا، يتم التحكم بها عن بعد وتحيط بالحرم في الدور الأرضي فقط.
تاريخ المملكة العربية السعودية في تنظيم وخدمة الحجاج تاريخ قديم طويل ومشرف، أحرى به أن يُدرس كنموذج استثنائي في إدارة الحشود المليونية في شهر الحج وطوال العام، وعرضه كمثال ضخم على تطبيق التنمية المستدامة، التي اتبعتها المملكة منذ قديم الأزل في عملية تطوير الحرمين الشريفين.
فالعناية بشؤون الحج ورعاية الحجاج كانت ومازالت في قمة أولويات واهتمامات حكومة المملكة، التي تشهد تطورا مستمرا في خدماتها كل سنة، مواكبة بمرونة احتياجات وتحديات العصر. إذ ينص النظام الأساسي للحكم في المملكة، على التزام الدولة بمسؤولية خدمة الحرمين الشريفين ورعاية الحجاج وإعمار الحرمين الشريفين، وتوفير الأمن والرعاية لقاصديهما بما يمكن أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وسهولة، وبينما ترحب السعودية كل عام بالعالم، يلهج شعبها بالدعاء لهم «اللهم تقبل منهم، إنك أنت الغفور الرحيم».