يمثل المعلمون رقما مهما في بلادنا لا يعلوه سوى رقم العسكريين، وهو يقترب بسرعة كل سنة من نصف المليون، كما أن عملهم لا يقل عن عمل العسكري الذي يحمي البلاد في الداخل والخارج، أضف إلى ذلك أنه من يعلم هذا العسكري، مما يجعل رضاهم الوظيفي ووضعهم النفسي ورأيهم ليس في ما يخص أنظمة عملهم فقط، بل في كل جوانب حياتنا وبلادنا، معتبرا.
لكن البعض وهو أبعد ما يكون عن التعليم والتدريس وبيئة المدرسة ومتطلباتها وما يؤثر على عطاء المعلمين يتكئ على مسنده ويرفع قلمه لينتصر لصديق يشاركه فكره، ظانا أنه بتقريع المعلم بكلمات عامة وتخوين وتهديد أدى
ما عليه من واجب، وهو أشعل النار أكثر وزاد الفرقة اتساعا بين المعلمين وقيادتهم، ونـحن يفصلنا عن عام جديد ننتظر تضافرهم واتحادهم لإنجازه كما نرجو وكما ترجو قيادتنا وتخطط.
ولو أن هؤلاء فكروا قليلا لأدركوا خطأهم، فلدينا 500 ألف معلم لم تحسب خبرتهم ويحملون هم كل صباح الصبر على ظلم مادة أ18 والتي تسببت في حرمانهم من درجتهم الوظيفية، وهو موضوع يعرفه الجميع لكن قاتل الله الحسد.
أما التدريب فالمعلم ما هو إلا بضاعتكم ردت إليكم، فما تقدّموه يقبله، وما أعرفه أنهم يتمنون دورات التطوير والتدريب ولا يجدونها، ولكم أن تدخلوا هاشتاق برنامج خبرات وتروا ما كتب من لم يستطع الاستفادة منه لعلكم عندها تدركون جرمكم.
أما جهده وتعبه فلقد جانبكم الصواب، فهو الموظف الوحيد الذي يعمل واقفا طوال اليوم الدراسي وبلا ساعات مكتبية، يحضر فيها دروسه لليوم التالي، فيأخذ عمله للبيت وهو المعلم الوحيد في العالم المتحضر والغني الذي لا يوجد معه معلم مساعد في الفصل، فيواجه وحده 35 طالبا في المتوسط، كثير منهم يعاني من صعوبات تعلم ومشاكل أسرية وعنف من الخارج في ظل غياب أخصائي نفسي واجتماعي في المدرسة. وهو المعلم الوحيد الذي لا تقدم المدرسة له أي مساعدة في مصروفات عمله، فيطبع الاختبارات وأوراق العمل من جيبه، بل يصرف على النشاط! بل أنه يشتري فطور طلابه عندما ينسون مصروفهم، فلا أحد قبله يلجأ له الطالب ليخبره بنسيان والده إعطاءه المصروف، كما أنه الذي يبقى مع طفلك في المناوبة حتى العصر، والمؤسف أن هذا التأخير لا يحسب خارج دوام.
أضف لذلك فصله هو ساحة تجريب للقاطنين في المكاتب، نظام سنة، ثم نظام مطور، ثم نظام فصلي، تقويم أو اختبارات، جودة ووثائق، وكلما فكر أحدهم بفكرة عقد مؤتمرا وطبقها دون حتى أن يتأكد إذا كانت البيئة تسمح أو لا، فعلى المعلم ومدير المدرسة أن يجدا حلّاً.
ورغم كل ذلك لا ننكر مطلقا وجود من يستغل أخطاء الوزارة في ضعف الرقابة والمتابعة والثقافات غير الرسمية، لكنه ليس ذنب المعلم، بل ذنب المشرع والضابط والمقرر في المكاتب والإدارات، فلِمَ يتحملها المعلم تقريعا ولوما؟!
أخيرا إن كنت تظن أيها الناقد بنفسك خيرا أو لولدك فأنت مخرجات هذا المعلم، فكيف تظن أنه سيئ ويستحق التعميم وأنت نتاجه؟! فعظم غضبك منه، وهذه مشكلتك فحلها بعيدا عن المعلمين.