في دنيا التثقيف، ومن أجل تبصير الآخرين بدينهم، يخوض الإنسان كثيرا من المعارك الطاحنة مع الخصوم، ويسلك في سبيل ذلك العديد من الطرق غير المعبدة، أو غير المفروشة بالورود؛ مع أن الإسلام ـ وهذا لا يحتاج لدليل ـ دين عقل، ودين فطرة، ودين نقاش، ودين ذوق، ودين كل شيء جميل؛ وهذا هو الذي كان عليه أسلاف الأمة، الذين كانوا لا يأخذون الأمور على علاتها، ويفحصون ويمحصون، ويخضعون ما يقابلون لاختبارات ذات معايير دقيقة، ومنها أن «ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره»؛ لا يصح، وأن معنى أي نص من نصوص الشرع، لا يتفق معناه الظاهر مع حكم العقل، هو غير المعنى الظاهر منه، ولا بد من بذل الجهد في تأويله تأويلا، يظهر منه المعنى المقبول عقلاً..
الهجمات الفكرية القاسية وغير اللائقة، من الناس على بعضها البعض، أمر يحتاج إلى ضبط عاجل، وشخصيا أعيدها إلى انفلات غريزة التطرف، والعنف البغيض من عقالها، لدى الذين يعتبرون الدين مرجعا وحيدا لهم،
و لا حل ـ في نظري ـ إلا في أن يفهم الكل أن الانتماء لقيم العصر أمر لازم، وأن اختلاق الفتن، وإشاعة الكراهية أمران سيئان، وأن أوان محاسبة الذين لا هم لهم إلا في تغذية أغراضهم الخاصة، والذين يمنعون العقل من التفكير، والذين يصرون على إحياء النعرات أو تجديدها؛ قد آن..
النعرات أو العصبيات، التي قدمت ذكرها متعددة جدا؛ فمنها النعرة القومية، والنعرة الإقليمية وغيرهما، وأكثرها فسادا وإفسادا، النعرة الدينية، والنعرة الطائفية، التي ذكر غير واحد من العقلاء وصفة ناجعة لعلاجهما ملخصها: «لا نريد صوفية تشطح، ولا سلفية تنطح، إنما نريد من يصلح وينصح، دون أن يقدح أو يمدح»؛ وهي وصفة تحتاج إلى أن يفهم من يريد أن يفهمها، أنه في دنيا التقدم والتسارع والتطور التي من الله تعالى، علينا بالتمتع بها، لا يليق أن يصر أي أحد منا على الجمود أو الانغلاق، كما لا يصلح أبدا حشو عقول الآخرين بغثاء الأقوال، أو باطل الأفعال، ومن يفعل ذلك يفتري على رسوله الكريم، صلوات ربي وسلامه عليه، ويظلم دينه الجميل، ويعين، جهلا أو عمدا، على عدم تصحيح الصور المشوهة عنه، هنا وهناك.