الأول من الميزان ليس ذكرى لتوحيد الوطن تحت راية التوحيد فقط، وإنما مناسبة عظيمة نقف من خلالها لنسترجع ذلك الدرب الطويل الذي قطعته خطط التنمية في سبيل تطوير الإنسان والمكان، وعلى ما شهدته المملكة من تطور خلال السنوات الماضية وفي جميع المجالات، إلا أن العامين الأخيرين شهدا نقلة كبيرة في مستوى وعي المواطن ليس اقتصاديا فقط، بل حتى استيعابه ضرورة التغير بما تمليه الظروف التي مرت فجعلته أكثر استشعارا للمسؤولية وأكثر تطلعا لمستقبل يسير وفق رؤى وخطط وضعت لتضمن له حياة مستقرة لا تتأثر بتقلبات الاقتصاد العالمي وأزماته، لذلك أصبح أكثر تقبلا من السابق لفكرة التخلي عن فكرة أن النفط هو الوسيلة الوحيدة التي تبقينا أمة حاضرة تشارك دول العالم العيش على هذا الكوكب، كما أصبح مهتما ومتابعا لرؤية الدولة، وما تنص عليه من أهداف كبيرة يتطلب إنجازها تشارك الكل.

وهذا الرؤية تحديدا ربما راهن البعض أن المواطن السعودي سيعجز عن التماشي معها لافتقاده ثقافة التخطيط والسير نحو مستقبله وفق منهجية مدروسة واضحة البنود وليس بعشوائية كمن يعيش يومه جاهلا غده، إلا أن الأحداث أثبتت فشل تلك المراهنات، والشعب السعودي بكل أطيافه التف حول قيادته وتقبل التغيير الذي يصب في مصلحته، والذي جاء كضرورة فرضتها تغيرات ضخمة لا تقبل الحلول الوقتية أو حتى التنبؤ أن الأوضاع ستتغير في وقت قريب، لذلك كان لا بد من اتخاذ إجراءات تحد من تأثيراتها وتحافظ على توازن ميزانيات الدولة ومصروفاتها بما يحقق عيشا كريما للمواطن، ويبقي عجلة التنمية في تقدمها، وهذه الأيام والشعب السعودي يحتفي بذكرى الوطن السابع والثمانين لم يعد الاحتفاء تجسيدا فقط لمناسبة خالدة فحسب، بل فرحة وتلاحم وعمق انتماء للوطن، بعيدا عن فوضى المشاعر التي يحشدها البعض لهذه المناسبة دون الوعي أن الهدف هو إذكاء روح المواطنة بين الجميع، وتعظيم أمجاد الأجداد وتضحياتهم التي نقطف ثمارها أمنا وأمانا ووحدة تقوى مع الأيام، صحيح أن مجريات الأحداث ليست كما في السابق، ولكن ذلك كله هو دافعنا الأقوى للبهجة والتشارك مع الجميع في الابتهاج بهذا اليوم، سواء مع جنود الوطن الأبطال المرابطين على حدود الوطن، أو مع الآباء والأمهات وأجيال الوطن الفتية التي تؤمن بيقين أن القادم رائع مهما كثرت الأصوات الناعقة التي لا يزيدنا نعيقها إلا تماسكا والتفافا حول الوطن وقادته الذين لا يدخرون الوقت أو الجهد في سبيل خدمة هذا الكيان، والحفاظ على أمنه واستقراره.