مضت عدة أعوام منذ أن كتبت سلسلة مقالات في هذه الصحيفة تحاول رصد واقع التعليم في بلادنا وتسعى إلى تقويمه ما أمكن. ولقد خصصت التعليم العالي (الجامعي) وقتها بعدد من تلك المقالات التي ركزت حينها على القيود المالية الكبيرة التي تقع على الجامعات فتحيلها إلى "دوائر حكومية" تتقيد بالارتباطات المالية وبالبنود، فيتحكم الفكر البيروقراطي المتصلب في مفاصل الجامعة ويقتل فيها روح الإبداع والمغامرة المعرفية. ومن اللافت والمفرح أن الجامعات السعودية بدأت في الآونة الأخيرة تخطو خطوات نوعية جديدة، وإن كانت جنينية، نحو التحرر والانعتاق من بعض تلك القيود، وتسعى جاهدة ووفق إمكاناتها للانطلاق نحو ربط حقيقي بين التعليم الجامعي من جهة وبين التطور الاقتصادي والعلمي والبحثي من جهة ثانية. ولأن الكاتب لا يمكن أن يغفل المنجزات، حتى يتمكن حقاً من نقد النواقص والأخطاء ورصدها بشكل مهني، فقد كتبت أيضاً عن تلك المبادرات الإيجابية، فمن حقنا، وحق القارئ، بكل تأكيد الاحتفاء بإنجازاتنا.


ولقد أسهم عاملان، في نظري، في الإسراع بعملية انعتاق الجامعات هذه. أولهما هو إنشاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، والتي شرّعت لتحرر الجامعات المالي من ناحية وأعطت البحث العلمي مركزية في هيكليتها ونظامها. وثاني هذين العاملين هو صدور التقارير الدولية حول تصنيف الجامعات، والذي أعطى صدمة كهربية مفيدة للنظام التعليمي والإداري بأسره. هذا بالإضافة إلى المحيط التنويري والتطويري العام الذي قاده خادم الحرمين الشريفين. واليوم نستطيع أن نقول إن جل الجامعات السعودية، مع تباين في الدرجة بكل تأكيد، قد بدأت مشوار الألف ميل بخطوات جيدة.


أهم هذه الخطوات هي ربط الجامعات بالمجتمع والاقتصاد والتنمية عن طريق توظيف البحث العلمي لإنتاج المعرفة وبالتالي تحويل تلك المعرفة إلى منتج صناعي تجاري. وهذا بالتالي يستلزم ألا يظل البحث العلمي حبيساً داخل أسوار الجامعة. فمن التوجهات الحديثة في مجال إخراج البحث العلمي ليكون جزءاً من تنمية المجتمع راجت اليوم مفاهيم جديدة في أوساط الجامعات ومراكز البحث الجامعية. من هذه المفاهيم: المجمعات التقنية، الجامعات البحثية ودورها في خلق مجتمع المعرفة القائم على استثمار المعارف والعلوم في مجال خلق الأنشطة الاقتصادية، الحدائق العلمية أو المدن العلمية. وتشير كل هذه المفاهيم إلى أهمية أن تكون الجامعات هي الحاضن والمحفز على التنمية الاقتصادية في المجتمع يستفيد منها العديد من الجهات بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة، والشركات الكبرى، والحكومات، والكوادر الموهوبة، وبالتالي الاقتصاد بشكل عام.





ولقد نجحت هذه المجمعات في تكريس مكانتها كجزء من منظومة متكاملة تشجع على تنمية المواهب المحلية وتدعم النجاح التجاري كما تحافظ على زخم النمو وتعزيز وتنويع الاقتصاد القائم على المعرفة في المجتمع.


وفي هذا السياق، استطاعت جامعة الملك عبدالعزيز في الفترة الأخيرة ومنذ عام 1426 بناء عدد من مقومات الدخول في بناء مجتمع المعرفة والاقتصاد القائم على المعرفة بشكل منهجي صحيح حيث أنشأت منظومة الأعمال والمعرفة والتي تضم بيوت الخبرة وحاضنات الأعمال وحدائق المعرفة والمعامل المركزية، بالإضافة إلى مراكز الأبحاث ومراكز التميز والوقف العلمي والكراسي العلمية التي بلغت 20 كرسياً. كل هذه المنظومة كانت ضمن الخطة الإستراتيجية الأولى للبحث العلمي في الجامعة (1425-1430). كما توجت الجامعة خطتها الاستراتيجية العلمية الثانية (1431-1435) باستكمال المجتمع التقني بعد الموافقة السامية على إنشاء شركة وادي جدة قبل عدة أشهر فقط.


إن إنشاء شركة وادي جدة، وهي شركة متخصصة في استثمار الإبداع ومخرجات البحث العلمي وتطوير التقنية تقوم على الشراكة بين القطاع الحكومي المتمثل في الجامعة والقطاع الخاص المتمثل في الشركات المحلية والعالمية المتميزة هو دليل على التوجه الصحيح للجامعة نحو إغلاق حقبة كانت فيها البحوث العلمية تعاني من الركون والركود، فالفكر هو إذن القيمة المضافة التي تستفيد منها الشركات، حيث تسعى الشركة نحو استثمار البحث العلمي في خدمة المجتمع وتنميته الاقتصادية. وبذا يمتد دور الجامعة في الاقتصاد الجديد من البحث الأكاديمي المجرد إلى الاستفادة من هذه البحوث بتحويلها إلى صناعات واختراعات، أي إلى منتج يسهم في التنمية المحلية والعالمية. ولعل أبرز المجالات التي يحتاجها الوطن والتي تركز عليها الجامعة في خططها الإستراتيجية هي أبحاث المياه وأبحاث البيئة وأبحاث الحج والعمرة وأبحاث الطاقة الشمسية والأبحاث الطبية ذات العلاقة بأمراض البيئة.


وبالرغم من إنجازات جامعة الملك عبدالعزيز في مجالات البحث العلمي ومراكز الأبحاث، إلا أن الجامعة لم تحظ بالتسويق الإعلامي والزخم الذي حظيت به الجامعات السعودية الأخرى. ربما يعود السبب في ذلك إلى عدم الاهتمام بالجانب الإعلامي، أو إلى إيثار الجامعة العمل بصمت حتى تكتمل المنظومة العلمية البحثية فيها. إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن نجاح الجامعة في استثمار شركة وادي جدة سوف يعتمد على ثلاثة عوامل أساسية. يقع أولها ضمن التزامات الجامعة وتميز أبحاثها العلمية في المجالات ذات العلاقة بالقضايا الملحة والقضايا التنموية في المملكة. ويقع ثانيها خارج نطاق عمل الجامعة أو تميزها البحثي وهو الالتزامات الحكومية المسهلة والمحفزة لعمل الشركة من دعم مادي للبحوث ذات العلاقة بنقل التقنية وتوطينها، بالإضافة إلى الحوافز المادية والقانونية والاجتماعية المقدمة للشركات الكبيرة والمتوسطة التي تنقل عملياتها البحثية إلى شركة وادي جدة. أما ثالث هذه العوامل فهو قدرة الأفراد والمؤسسات الخاصة على دعم المشروع خاصة من قبل المجموعات التجارية والصناعية الكبرى.


إن نجاح تجربة شركة وادي جدة في جامعة الملك عبدالعزيز، ونجاح الشركات المماثلة المنشأة حديثاً مثل شركة وادي الرياض وشركة وادي الظهران للتقنية لدعم الاقتصاد القائم على المعرفة، لن يكتمل إلا بشراكة رأس المال المبادر أو المغامر الراغب في الاستثمار في التقنية المتطورة عالية المخاطر.


وهذه دعوة لكل هذه الأطراف لكي يقوم كل منا بدوره في خدمة المجتمع الذي ما برحنا ننهل من خيراته.