يوسف الجريد
يا ترى على ماذا يعتمد المسؤولون عند إصدار قراراتهم؟! خاصة القرارات التي لها تأثير بشكل مباشر على خدمة المجتمع وتطويره. يخطر في مخيلتي الكثير من الأسئلة حول هذا الموضوع، لكن الأهم هو كيف تتم عملية صنع القرار؟!. هل تمت بناءً على أسس بحثية علمية لصنع قرار محايد يصب في خدمة المجتمع بشكل رئيسي، أم بنيت على فرضيات وإجراءات روتينية قد تؤثر سلباً على الخدمات المقدّمة؟!.
وهنا أركز على القرارات التي لها علاقة وتلامس بشكل مباشر المجتمع السعودي، مثل قرارات تهم الوضع الصحي والتعليمي والمستوى الخدمي المقدم لكل منطقة.
كثيراً ما نسمع عن قرارات أصدرت وطبقت كنّا نعتقد أنها هي الحل السحري لبعض المشاكل الخدمية المقدمة، ولكن سرعان ما تبوء هذه القرارات بالفشل!!.
وعند الرجوع لمعرفة مصدر القرار وكيف تم اتخاذه وسبب فشله، نجد أنه كان مبنياً على عواطف وآراء شخصية من مدير مؤسسة أو من حوله، المجموعة الخاصة التي توافق قرارات «المدير» مهما كانت لأجل كسب الثقة، من دون أي مشاركة حقيقية في دراسة القرار قبل وبعد تطبيقه لرؤية مدى تأثيره، وتأثر المجتمع به، لتفادي الوقوع في أخطاء كان يمكن تجاوزها وبسهولة.
المقصود هنا هو عملية ربط المسؤول عن القرار بالبحث العلمي لما له من دور رئيسي في عملية صُنع قرارات أكثر عقلانية تخدم المجتمع والدولة لصعود سلالم التطوّر والازدهار. كما أوضحت معظم الدراسات أن هناك ارتباطا قويا بين المجتمعات المتقدمة والبحث العلمي، وهذا يُبين مدى أهمية هذا العنصر في العملية التنموية. كما أنه يسهم في تنظيم سياسات العمل العامة للدولة للوصول إلى بيئة عمل مثالية بعيدة كل البعد عن البيروقراطية.
لكن للأسف لا نجد لهذا العنصر أي مشاركة في هذا الشأن، أو بالأخص نرى انفصالا تاما للبحث العلمي عن الواقع الاجتماعي. معظم مكاتب البحث المدعومة من الدولة في كثير من القطاعات الحكومية والخاصة هي مجرد مسميات وهياكل، بعيدة كل البعد عن المجتمع وقضاياه وعن العملية التنموية للدولة. ما يجب فعله هو إعادة تفعيل هذا العنصر لصناعة قرارات مبنية على أسس علمية لا على آراء شخصية. كما يجب على الجهات المختصة بالبحث العلمي نشر ثقافة البحث وأهميته للمجتمع السّعودي. ولعلي هنا أذكر ما قاله الدكتور غازي القصيبي رحمه الله عن أهمية المجتمع في التأكد من فاعلية القرارات المتخذة، ذكر أن: «المجتمع هم الهيئة الرقابية العليا».
ويقصد هنا من خلال اجتماع المدير أو المسؤول صانع القرار مع الفئة المطبق عليها القرار لمعرفة مدى فاعليته وتأثيره وتأثر الناس به لتعديله أو إلغائه.
أذكر قصة هنا على سبيل المثال فهي متصلة بشكل أو بآخر بموضوع هذا المقال حول قرارات تم تنفيذها. في مدينة صغيرة، قامت البلدية بسفلتة شارع رئيسي أمام بيتنا وكان منظر الشارع جميلا جداً. والكل فرح بهذه الخدمة المقدمة لمساعدة الجميع في التحرك بسياراتهم بكل سلاسة من خلال هذا الطريق الجديد «المسفلت».
لكن، يافرحة لم تدم، خلال الأسابيع الأولى من مرحلة تشغيل الشارع، إذا بآلات الحفر والتكسير تعيد الشارع إلى ما كان من قبل. أول سؤال راودني هو «كيف خرب هذا الشارع بتلك السرعة؟»، فبعد السؤال تبين أن المشكلة ليست في الإسفلت بل إن خطوط تمديد الكهرباء والهاتف وتصريف المياه لم تكن مأخوذة بالحسبان.
من البديهي أن يكون هذا الخطأ درسا تعليميا لجميع الجهات المنفذة من البلديات وشركات الكهرباء والمواصلات والمقاولين في مجال تخطيط الشوارع لتفادي الوقوع به مرة أخرى. من خلال رسم سياسة تلزم المنفذين والمشرفين والمقاولين على السفلتة بتوفير جميع الخدمات المرافقة للطرق الجديدة قبل السفلتة، وبتوقيع من الجهات الرسمية والشركات المنفذة التي تلزمهم بتحمل تكاليف أي أخطاء تعارض هذه السياسة.
هذا مثال بسيط آمل أن يوضح أهمية مراجعة القرارات قبل وبعد تنفيذها لتفادي الخسائر المادية التي تتم وبشكل متكرر. كما يُبين أهمية البحث العلمي في صناعة اتخاذ القرارات.