لا أخفيكم أنني شعرت بالأسى على حال الطالبات في بعض مؤسساتنا التعليمية وأنا أتابع لقاء الدكتورة الفاضلة وكيلة شطر الطالبات في جامعة الإمام محمد بن سعود في برنامج تلفزيوني شهير، والذي تضمن اعترافا صريحا منها بتفتيش جوالات الطالبات، هذا الأسى استحال غضبا حين بررت سعادتها ذلك في تغريدة عبر حسابها في تويتر تصدرتها عبارة (لو تعلمون ما تواجهه موظفات التوعية)! وهي عبارة توحي بوجود ما لا يعرفه المتابع من حالات تكتشفها لجان التوعية بين الطالبات، لتنهي تغريدتها بتعبير صادم اجتماعيا وتربويا وهو «تطهير المجتمع»!!

لن أتساءل عن الحالات التي تلمح لها سعادة الدكتورة ولن أطلب أدلة عليها، فهذا شأن المتضررين من الطالبات والأسر، لكن من المؤسف حقا أن تعتقد سعادة الدكتورة أن تفتيش جوالات الطالبات حق لها ولطاقم المتابعة الذي تشرف عليه الجامعة، فهي على ما يبدو لم تطّلع على النص القانوني في أنظمة الدولة والذي يشدد على خصوصية الأجهزة الإلكترونية، ويمنع من تفتيشها دون وجه حق، كما يحدد أيضا الجهات المخولة بإجراء هذا التفتيش عند الحاجة إليه!

بـ140 حرفا عرضت الدكتورة الفاضلة سمعة طالبات جامعة الإمام لكل الظنون اللاأخلاقية! فالتعبير الذي استخدمته سعادة الدكتورة وضعها في حرج مع طالباتها اللواتي استبشرن بتعيين أول سيدة في وكالة شطر الطالبات لتصدمهن بهذا التصريح، قبل حتى أن تباشر مهام عملها كما جاء في تصريح المتحدث الرسمي للجامعة، الذي أكمل مع الأسف ما بدأته سعادة الوكيلة من اتهامات مبطنة!

ففي الوقت الذي انتظر المجتمع اعتذارا صريحا من الجامعة للمعنيين ووعدا بإصلاح الحال وتبريرا يوقف سيل الظنون ويضع الأمور في نصابها، خرج سعادة المتحدث عبر الإذاعة ليبرر للوكيلة الفاضلة، ويلمح إلى أن التفتيش يقتصر فقط على حالة الخوف من تجنيد الطالبات وخطورتهن أمنيا، ليرش بتصريحه هذا الملح على جرح جديد! المستمع لهذا التبرير من خارج الجامعة يتأرجح في ظنه بين طالبة يتم تفتيشها لأنها سيئة السلوك أو لأنها مشروع إرهابية! هل هذا فعلا ما تظنونه في بعض طالباتكم يا جامعة الإمام؟

لا شك عندي أن كليهما خانه التفكير والتبرير، فالجامعات يفترض أن تقدم خدماتها التعليمية لراشدين لا يقل عمر أغلبهم عن الثامنة عشرة، وهم بهذا العمر مكلفون تماما أمام الشرع والقانون عن تصرفاتهم ويتحملون كافة التبعات المترتبة على تجاوزاتهم الأخلاقية والفكرية إن ثبتت للجهات المعنية في الدولة، فالجامعات معاقل علم وبحث وتطوع وخدمة مجتمع وليس لها أن تمارس دورا خارج إطار سلطتها على أي من طالباتها أو طلابها على حد سواء، لكن هل يعني هذا تشجيع الفوضى؟ بالطبع لا، بل يجب مراجعة الأنظمة داخل الجامعة وتجديد لائحة العقوبات بما يتناسب مع إنسانية البشر، ويتواكب مع رؤية الوطن لشبابه وشاباته، ويضمن تعزيز إحساسهم بالمسؤولية ذكورا وإناثا على حد سواء، ومن التعديلات التي تحتاجها اللوائح الأكاديمية النظر في أسمائها وتصنيف المخالفات وآلية التدرج في العقوبة، وتحديد الجهة المسؤولة عن ضبط ومعالجة الحالات، كلٌّ بحسب اختصاصه.

ولأن الاعتذار البارد إهانة ثانية كما يقال؛ أرجو من معالي مدير جامعة الإمام التدخل لإعادة اعتبار طالبات جامعة الإمام باعتذار لائق ومباشر، فهن بنات هذا المجتمع أولا ولا ينبغي رميهن بالاتهامات والظنون جزافا حتى لو كانت هناك حالات فردية عولجت سابقا بطريقة غير نظامية! لم يعد يليق بأي جامعة لعب الأدوار التي طوتها المرحلة الإخوانية التي تسعى جامعة الإمام -كما نعرف جميعا- إلى نفض غبارها، كما لا يليق بقيادات الجامعات التفاخر بخرق القوانين وأنظمة الدولة، فهي -أيدها الله- ستحفظ لكل ذي حق حقه.