ركوب الأمواج المتكسرة على شواطئ المحيطات، ليس فنا يستطيع القيام به كل من يريد، بل مهارة وشغف، ويتطلب العمل والتدريب المستمر، حتى يتمكن المرء من التوازن على اللوح الخاص به فوق الماء، قبل أن يُفكر في امتطاء الموجة. عندئذ سيقوده إصراره بتكرار المحاولات، على تعلم الصمود أمام تكسر الموجة لتنقله لمرحلة الاحتراف.

وليس كل من يضع وراء مكتبه شعار الرؤية، معناها أنه حقق أهدافها بما يتناسب مع مصلحة المواطنين ومصالح الوطن. الشعار شيء والتنفيذ أمر آخر. لا ننكر أنه في الفترة القليلة الماضية، تغيرت سياسة أغلب الوزارات لتعديل أدائها وكثير من برامجها، ولكن يؤخذ ضدهم ذلك التسرع في إعلان النتائج قبل تحقيقها.

ولا يمكن أن تنجح أي وزارة في أداء مهامها وأعمالها، دون أن تركز على حجم وقوة مواردها البشرية، ومعرفة مكامن ومراكز قوتهم وضعفهم، وتشغيل جميع الطاقات المهدرة من الإحباط، بإصلاح وتطوير كامل لأوضاعهم من مميزات وحوافز مالية، من شأنها أن تحسن حياتهم الاجتماعية، وتمنحهم تلك المساحة المتواضعة من راحة البال لأداء مهامهم والإبداع فيها.

فلا يتوقع أي مسؤول طبع شعار الرؤية على كل ورقة في منشأته، أن يخلص منسوبوها في أداء أعمالهم. كما أن من غير اللائق أن يستخدم أي وزير، مصطلح (تدشين) على برنامج أو مشروع تم تدشينه في زمن وزير سابق، فإذا كانت الوزارة أهملت المشروع، وجاء الوزير الجديد وطوره وأطلقه ثانية، ينبغي أن تكون هناك دقة في التعبير والتصريح بأنه تطوير لمشروع سابق، فعلى سبيل المثال، نعرف جيداً أن وزير الصحة السابق الدكتور عبدالله الربيعة، كان قد دشن المرحلة الأولى من خدمة 937 عام 2013. ومنذ سبع أشهر تقريباً - دشن الوزير الحالي نفس مركز الخدمة بعد أن وسعه ونقله إلى مبنى جديد آخر، وكان من الأجدر أن يذكر في الحملة الإعلامية بأن المركز تم تحسينه أو تطويره، وعدم تجييره كمشروع جديد للوزارة، بل كان عليهم أن يذكروا الإضافات الجديدة من معايير وآلية لمتابعة أداء المركز، لكسب رضاء المواطنين مثلا. فمن يعرف أن المشروع ليس جديدا، سيشعر بوخزة شك تجاه أي مشاريع جديدة قادمة.

وفي الأسبوع الماضي، دشن وزير العدل المحاكم التجارية، ونحن نعرف أنها موجودة منذ عشرات السنين في المملكة، وكنت أتمنى لو وضحت وزارة العدل نقاط التحديث التي طرأت عليها، دون أن نكرر نفس الخطأ بإرسال رسالة خاطئة للمجتمع والعالم، وكأن المحاكم التجارية، للتو انطلقت كمشروع جديد في المملكة.

كما تسابق عدد من الوزارات والقطاعات بالإعلان عن تعيين نساء على مناصب قيادية، ليس لتخصصاتهن أو لمسيرتهن المهنية أي علاقة بطبيعة عمل الوزارة. ولا يوجد تفسير لذلك سوى عدم الفهم أو ربما لأنهن يملكن أسماء لها ثقل اجتماعي، فاعتقدت تلك القطاعات أنها بذلك تصنع ثقلا لتلك المناصب التي لم يحددوا فيها مسبقاً مهام ومسؤوليات السيدات القياديات.

فأخذ البعض يتعلق بتلك الموجة النسائية، التي أصبحت تُبرر بأنها إذعان لتنفيذ الرؤية، وهم في الأصل لا يجيدون السباحة في المياه الضحلة، ولم يتوقعوا أن للموج أذرعا قوية قادرة على أن تغرقهم إن لم يجيدوا السباحة. فمنذ سنتين والمملكة تعمل بشكل رسمي على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة الـ17 التي اعتمدها قادة العالم في 2015. وجاء تسلسل الأهداف على حسب أهميتها، كالتالي (1. القضاء على الفقر. 2. القضاء التام على الجوع. 3-الصحة الجيدة والرفاه. 4-التعليم الجيد. 5. المساواة بين الجنسين. 6. المياه النظيفة والنظافة الصحية. 7. طاقة نظيفة بأسعار معقولة. 8-العمل اللائق ونمو الاقتصاد. 9. الصناعة والابتكار. 10. الحد من أوجه عدم المساواة. 11.مدن ومجتمعات محلية مستدامة. 12. الاستهلاك والإنتاج المسؤول. 13. العمل المناخي. 14. الحياة تحت الماء. 15. الحياة في البر. 16-السلام والعدل. 17. عقد الشراكات لتحقيق الأهداف). والتي من ضمنها المساواة بين الجنسين في الوظائف والرواتب وغيرها من حقوق مدنية، ومنذ أن تم الاتفاق على تنفيذ ذلك والمملكة تعمل بشكل كامل في هذا الاتجاه التنموي. فإذا كانت الوزارات والقطاعات استوعبت هذه الأهداف جيداً، بنفس العمق ووضعتها نصب أعينها، ستعرف جيداً أن تعيين القيادات النسائية يعتمد على الكفاءة والتاريخ المهني، دون تعيينات صورية من أجل تعبئة متطلب فقط. ركوب الموج يتطلب احترافا وشجاعة وسرعة تفكير وتصرف. وليس الاكتفاء بوضع شعار. فكم من شخص وضع شعار الرؤية ليزين به الحائط وراءه، وهو يرفض رفضاً تاماً أن يعترف بأن للموظفة نفس حق الموظف في فرص التدريب والراتب. ولديه إيمان عميق، بأن عمل المرأة ومزاحمتها للرجال يعد (قلة أدب)، وتسولها على قارعة الطريق من أجل لقمة أشرف لها بعشرات المرات من عملها معهم. ومن يحمل فكراً مثل هذا، حتما سيغرق في شبر من الماء مهما حاول التظاهر بالاحتراف.