ما زلت أذكر سؤال هذه الجارة التي كانت ترقبني كل صباح، وأنا أغدو إلى مدرستي لتعليم صغيراتي فقالت: «وماذا تعلمينهن؟» جعلني هذا السؤال على عفويته أقف مع نفسي وقفة تأمل، سائلة نفسي السؤال ذاته: هل حقا أديت رسالتي التي اُؤتمنت عليها فأنا وريثة الأنبياء.

هل كنت أهلا لحفظ هذا الإرث، وحمل هذه الرسالة العظيمة؟ فطالباتي لا ينتظرن مني أن أعلمهن القراءة والكتابة ومختلف العلوم بقدر ما هن بحاجة لأكون قدوة لهن في حديثي في تصرفاتي في معاملاتي. فهن كصفحة بيضاء أخط عليها ما أشاء ليبقى معها طيلة حياتها كما بقيت تلك الصور وتلك الكلمات في أذهاننا عن معلماتنا عندما كنا في مثل عمرهن.

ولكن كيف لي ذلك دون أن يكون هناك رابط قوي بيني وبينهن ليتقبلن مني ما أود غرسه فيهن، فأيقنت أن تعليمهن بالحب هو أفضل طريق. فاللمسة الحانية الصادقة والكلمة الطيبة والحوار الهادئ الهادف يجعل لكل معلم قبولا في نفوس طلابه. فتقبلهم للمعلم يجعلهم يقتدون به ويتطبعون بطبعه. فهو من أرقى أساليب التعامل وأسماها وأكثرها قبولا في النفوس. فمتى ما كانت العلاقة أقوى بين المعلم وطلابه كان أثر تعليمه لهم أبقى، فالطالب الذي يحب معلمه يقبل على درسه بشغف، فيحقق بذلك الهدف المراد الوصول إليه.

فللمعلم الناجح تأثير عجيب على طلابه لا يستطيع أحد تجاهل ذلك، فهم يقلدونه في تصرفاته ونمط حياته، وهنا يأتي الدور الأهم للمعلم، فمتى وصل لهذه الدرجة مع طلابه كانت المسؤولية عليه أكبر في تعميق التأثير الإيجابي لديهم.

فالطالب، سواء كان كبيرا أو صغيرا، يحتاج إلى الحب والاحتواء، وكلما كان ذلك في سنوات تعليمه الأولى كان أجدى وأنفع. فهذه الطالبة التي انتقلت من فصلي إلى فصل آخر تحدثني يوما عن اشتياقها لي بالرغم من وجودها في نفس المدرسة ورؤيتها لي كل يوم، ولكن هنا حديثها يرمي إلى معنى أعمق من مجرد لقائي، وأخرى تبعث لي التهاني بالعيد وتصر على والدتها لزيارتي، فتأتي وفي عينيها أصدق مشاعر الطفولة، فهل كان هذا ليحدث من هذه الصغيرات لو لم يستشعرن الحب الصادق من معلمتهن. فكلما رأيت تعلق طالباتي بي وشعرت بحبهن لي كان هذا بالرغم من جماله بمثابة حمل ثقيل أحمله على عاتقي يدفع بي لبذل قصارى جهدي لأبني فيهن أساسا قويا محكما من الأخلاق والمبادئ القويمة.

وهذا هو دور كل معلم مربٍّ، فلا يقتصر فقط دوره على منهج يقدمه لطلابه يوجههم ويحثهم فيه على كريم الأخلاق، ويرون من تصرفاته نقيض ذلك، بل ينشئ رابطا متينا بينه وبين طلابه ويكون قدوة صالحة لهم. وقد كان هذا منهج سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- في تعليم أصحابه، فقد كان يدرك إدراكا جازما ما للمسة الحب من أثر على المتعلم، فكان -عليه الصلاة والسلام- يلصق ركبتيه بركبتي محدثه ويضع يده على فخذيه أو منكبيه، كما كان يضرب بيده الشريفة على صدر من يخاطبه، فبمجرد اللمس يجعل الشعور بالود بين المعلم والمتعلم يعلو، والإحساس بدفء العلاقة بينهما يرتفع.