لا يمكن لنا كمراقبين للشأن الاقتصادي أن نصف هذه الأجواء المفعمة بتوالي الإفصاح عن مشروعات اقتصادية عملاقة، إلا بأنها عهد جديد يتّجه إلى تفعيل كافة موارد بلادنا، والاستفادة مما تحويه من إمكانات، وتطويرها إلى «فرص» ضخمة للاستثمار، لا يمكنها المساهمة في تنمية الاقتصاد الوطني فحسب، بل وتوسيع قاعدته، وتنويع مصادر الدخل الوطني.

كل ما كانت تحتاجه هذه الموارد والإمكانات والفُرص، هي تلك الإرادة الحكومية التي تجلّت ــ وتتجلى بوضوح ــ في رعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، ويُدلل عليها إعلانه عن المشاريع الوطنية تباعا، فما إن يهدأ حديث عن خبر اقتصادي بارز، حتى نستيقظ على وقع خبر جديد.

قبل أشهر معدودة أعلن عن مشروع «القديّة» الأكبر من نوعه على مستوى الترفيه في المنطقة، وقبل أسابيع أعلن عن مشروع «البحر الأحمر»، وتفعيل استثمار البحار وأبعاده المنتظرة على الاقتصاد، وها نحن اليوم نفتح صفحة الحديث عن «نيوم»، وهو المشروع «الأضخم» و«الأكبر» في فكرته وتكلفته، والذي أعلن عنه ولي العهد الشهر الماضي، وأسهب في الحديث عن الطموحات الكبيرة والآمال المتعلقة به، وبما يمكنُ أن يمثّله كهيكل جديد في جسد اقتصاد المملكة.

التفاصيل الاقتصادية أذهلت الجميع، ولاتزال الأصداء العالمية متواصلة ومتصلة في الحديث عن المشروع، الذي يعكس طموحا تؤكده الأرقام، إذ تبلغ تكلفته 1875 مليار ريال (نصف تريليون دولار) خلال السنوات المقبلة، ويقوم عليه صندوق الاستثمارات العامة، ومستثمرون محليون وعالميون، فيما تمتد مساحته بين ثلاث دول، كأول نموذج أعمال من نوعه، ليس في المنطقة فحسب، بل ربما على الصعيد الدولي، يضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي الحيوي الذي يعد أبرز ممرات العالم من حيث الأهمية التجارية، ومن هنا يحق لنا وصفه بـ «مشروع المشاريع».

ليس حجم التكلفة أو المساحة الجغرافية هي فقط ما جذب الأنظار، ولكنّ الأمر يتجاوز ذلك إلى فكرة المشروع المبتكرة والتي سترتكز في 9 نشاطات اقتصادية ديناميكية تتواكب مع التقدم التقني، وتطورات العلوم الحديثة، وتسابق المستقبل في الطاقة والتقنيات الحيوية وعلوم التقنية والتصنيع المتطور. بل تشير التقديرات الأولية إلى أن العامل في هذا المشروع سيجني أعلى دخل في المنطقة، فيما تتضمن التوقعات مساهمة المشروع في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، بما قيمته 100 مليار دولار بحلول عام 2030.

ومع إطرائنا للمشروع، وابتهاجنا به، وتصورنا لما يمكن أن تتعرض له المشروعات من عقبات، إلا أنه لا يفوتنا هنا التشديد على أهمية أن يمضي فيما هو مخطط له، ومراقبة تفاصيل تطوير مرافقه، ومتابعة أعماله، ومراحل تنميته، وفقا لجدولة واضحة، لضمان وصوله إلى حيز التنفيذ، وخروجه إلى فضاء العمل والأعمال.

الحديث يحلو حينما تكون المشروعات جديدة ذات أبعاد إبداعية، على صعيد الفكرة والطموح، ليبقى الأمل معقودا في التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع، ومشروع «نيوم» هو أحد هذه الأحلام التي ستكون قريبا واقعا حقيقيا تعود فائدته على الاقتصاد الوطني، ونموذجا يحتذى في العالم.