كان ياما كان في هذا الزمن ونفس المكان، يتحتم علينا جميعاً، أن نعمل معاً لحفر حفرة عميقة. نصب فيها أساسات خرسانية متينة، لإنشاء مصانع ومبان ومدن صناعية حديثة. من أجل ضمان مستقبلنا ومستقبل أبنائنا. ومنذ أن بدأنا العمل، ونحن نحفر كل يوم عمقاً جديداً. كان الهدف الذي يتراقص في خيالنا، أثناء عملية الحفر، يدفعنا إلى الاستمرار بحماس وجهد منقطع النظير، إلى أن ظهرت المشكلة. في كل مساء كنا نتوقف عن الحفر، ونعود لنكمل في اليوم التالي، نجد الحفرة قد رُدمت قليلاً، فنعاود الحفر من جديد، بدلاً من معالجة السبب. تكررت هذه العملية الشاقة، التي أصبحت لا تهدر الوقت والجهد فقط، بل تستهلك أيضاً جزءا من ميزانية المشروع. فأشرنا للمهندسين المشرفين على المشروع أكثر من مرة، باتجاه المشكلة. ولكن كان تعليقهم بأن حفر بعض الأفراد في الاتجاه المعاكس، لن يؤثر كثيراً ولن يردم الحفرة الكبيرة بهذه السهولة، أمام الآليات الكبيرة التي يستخدمونها.
في يوم وليلة، فُصل فني تمريض، من أبناء القرى النازحة في الحد الجنوبي، بدون علمه من عمله في مستشفى الحرث، الذي كان يعمل فيه، بعد أن ثبته المدير العام للشؤون الصحية في المستشفى، لأنه قريب من سكنه، نظرا لظروفه الأسرية الصعبة. بعد أن أصبح العائل الوحيد لأسرته المكونة من والدته المسنة وإخوته، الذي كان بعضهم من ذوي الاحتياجات الخاصة بعد وفاة والده. وفي الوقت الذي كان الجميع، يعرف ظروفه القاسية، تآمر مسؤول صغير مع آخر، مستخدمين الصلاحيات الممنوحة لمنصبيهما، لتغيير قرار المدير العام، وتم تهديده في حالة تقدمه بشكوى لوزارة الصحة. فسُلبت منه وظيفته بكل سهولة.
وبصراحة، إذا لم تتوصل البشرية، إلى اكتشاف عقار يمنع بعض المسؤولين، من استغلال السلطة واستخدام النفوذ، فلن ننجح في تحقيق النهضة والتنمية المستدامة، وأعداد المفصولين في ازدياد، ونسبة البطالة في ارتفاع يوماً بعد يوم.
وفي مكان آخر، قامت إحدى الشركات العاملة في المدينة الاقتصادية، وبالتحديد الشركة المشغلة لمصفاة جازان، بمنع الموظفين نهاية الشهر الماضي، من تسجيل حضورهم، وإخبارهم شفهياً بأن الشركة استغنت عن خدماتهم. وحين اشتكى الموظفون لمكتب العمل بجازان، وتم استدعاء الشركة للفصل في الشكوى تراجعت وأنكرت بأنها فصلتهم، وكأننا لم نتابع ما نشر على وسم (فصل موظفي مصفاة جازان)، الذي حمل مقاطع وصورا، تحكي صدمة واستياء العاملين هناك.
هذا التعسف، دفع عددا كبيرا من الموظفين إلى فتح ملف العنف الوظيفي، الذي كانوا يتعرضون له، بسبب التهديد المستمر بالفصل، من قبل هذه الشركة، والشركات الأخرى العاملة في المدينة الاقتصادية ومشروع مصفاة جازان. وهذه التهديدات المستمرة، كفيلة بالتأثير سلباً على نفسية وأداء الموظفين والعاملين هناك. وتعتبر مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، إحدى أهم المدن الاقتصادية في المملكة، التي دشنها الملك عبدالله رحمه الله في 14 نوفمبر 2006. في احتفالٍ تاريخي تابعناه بفرح وترقب، حيث وقَّع ممثلون لثمانٍ من شركات المقاولات السعودية والدولية مع أرامكو السعودية، عقود الإنشاءات والتوريد لمصفاة وفرضة جازان. والجدير بالذكر أنه قد تمّ تكريس ثلثي المدينة، لإقامة منطقة صناعية متقدمة، مجهّزة بأكثر الشبكات تفوقًا، وأحدث مرافق البنى الأساسية تطورًا، خاصة المشاريع الصناعية الثقيلة والثانوية، بما في ذلك الطرق وشبكات المياه، والمياه المحلاة، وتصريف المياه الصناعية، والصرف الصحي وشبكات الكهرباء، وغيرها من المرافق والخدمات. وكان أحد أهم أهداف المدينة، ليس فقط جذب المستثمرين، وتنويع مصادر الدخل والاستثمار، بل أيضاً المساعدة في خلق ما يصل إلى مليون فرصة عمل للشباب، حيث كان نسبة كبيرة من شباب جازان، تحت سن الـ15 حين تم البدء في المشروع. فكيف تُخرب الشركات بكل سهولة، تلك الأهداف الاستراتيجية، التي وضعتها القيادة وخططت لها منذ سنوات.
فمنذ عامين، وعمليات الفصل وتسريح العمال مستمرة في مناطق متفرقة، حتى أصبحت ظاهرة، وأخشى أن تستمر بهذه الوتيرة، أن تتحول إلى كارثة وطنية. فما إن يتخلص المدير الأجنبي، الذي أصبح وجوده في كثير من الشركات والمصانع ظاهرة أخرى تستحق التحقيق وليس الدراسة، حتى تفاجأ باستقدام نفس المنشأة لشريحتين من العمالة. أيد عاملة رخيصة، لا تملك نفس المواصفات المطلوبة من الجودة والتدريب. وفئة أُخرى تحمل جوازات غربية، تمنحهم رواتب ومميزات مرتفعة. فكيف نصدق أن الفصل مرتبط بتقشف الشركات!
وفي المقابل مع كل عملية فصل، أو تسريح للعمال، تجدد وزارة العمل إعلانها، بأنه لا تستطيع أي شركة فصل الموظفين السعوديين جماعيا، دون إخطار مسبق لمكتب العمل قبل 60 يوما، موضحة في الإخطار الوضع المالي للمنشأة ومبررات الفصل الجماعي، مع أسماء جميع الموظفين المزمع فصلهم ووظائفهم.
فليس أمام أي شركة، سوى أن تؤلف تقريرا يُظهر أنها مهددة بالإفلاس، وتضع أسماء من تريد فصلهم، وتُخطر الوزارة. التي تدير رأسها، تاركة وراء ظهرها الحرية لكثير من الشركات، بالعمل في الاتجاه المعاكس، وردم الحفرة... وبعد فترة، نتساءل لماذا أضعنا كل هذا الوقت في الحفر، وتأخرنا في صب الأساسات!