لا يمكن أن يستغني الإنسان منا، بأي حال من الأحوال عن الدين، ويعيش وسط الطفرات المعلوماتية فقط؛ حتى لو غلبه الشعور بأن التقدم محصور في الماديات، والاتصالات ونحوهما فقط؛ فهذه الأمور لا يمكن أن تملأ فراغ النفوس الزكية، التي تنشد الطمأنينة والسعادة؛ وفي ذات الوقت لا بد أن نعترف بأن فقهاءنا السابقين، رحمهم الله، بنوا غالب أحكامهم على مرئيات خاصة بهم، وبعضها، يفتقر إلى نص مباشر يسنده من القرآن الكريم، أو السنة المطهرة، وتلقفت الأمة كلامهم بالقبول التام، بل وإلى درجة من التقديس تصل إلى مستوى الآيات الشريفة، أو الأحاديث الصحيحة، إن لم يكن أكثر، حتى انعكس ذلك على النفوس، فأحدث تقليدا مقيتا، وتعصبا أعمى؛ من مثل: «لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب.. ولكن يتزوج بنتهم»، وقول أحدهم: «لو كان لي أمر لأخذت الجزية من الشافعية»، وقول أحدهم: «أصحاب أحمد بن حنبل يحتاجون أن يُذبحوا»، والنماذج المفزعة من هذا النوع كثيرة، ومذكورة في كتب التراث، ومن فتش عنها سيجدها..

كل الحضارات المعروفة قامت على أسس دينية معينة، إضافة إلى العلم، الذي يعد رحما بين الناس، وصلة متطورة بينهم، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه الحائز على نهاية المعرفة مهما جد واجتهد، ولهذا لم يكن غريبا أن يستمر تفاعل الناس مع بعضها، وأن يبدأ هذا من حيث انتهى ذاك، وأن يكون ذاك صاحب الفضل على هذا مهما كان، وفي كل آن.. اليوم يتطلع الناس إلى نهضة علمية فقهية حقيقية، وليس إلى شعارات تنثر هنا وهناك، ولعل دور الإفتاء الموجودة، أو التي ستكون، كذا مراكز الدراسات والأبحاث، إضافة إلى المنتديات والمؤتمرات تكون حوافز دافعة إلى التجديد والإبداع في المسائل الدينية، وبغير ذلك لن تنتقل الأمة من حالها الحالي إلى حال أحسن، وستظل متراجعة عن مواكبة العصر؛ وهذه الأماني والآمال لن يصل إليها إلا من يستحقها من أصحاب العقول النظيفة، والقلوب السليمة.

ليس صحيحا أبدا أن نظن أن الإضافة أو التعديل، أو حتى الحذف لما قاله السابقون أمر لا يجوز، فالناس شركاء في أمور كثيرة، ومن ذلك أنهم شركاء في التمكن من استخدام عقولهم، شريطة وجود الثقة في النفس، والتحرر من مركب النقص الذي قد يصيب الواحد منهم، وفك عقد أن السابقين لم يتركوا للمتأخرين شيئا، وأن الإبداع وقف على من سبق فقط؛ فالحق سبحانه وتعالى يقول، على لسان نبيه سيدنا صالح، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب}.