وبالطبع يصعب فهم رسالة هذا المقال دون الربط مع سياقه في المقال السابق. جوهر القضية أن التعليم لدينا، ومنذ أربعين سنة، ليس إلا مختبر تجارب. فكرة تولد بعد وفاة الفكرة السابقة، ومشروع أو برنامج يقوم على أنقاض الفقيد القديم. وفي أحيان كثيرة، أشعر أن مشروعنا التعليمي ضحية وفرة المال، وأشعر أن هذا المال الوفير هو من قتل أي أمل في نجاح هذا المشروع. أشعر أن في الوزارة دوائر قرار وخلايا كثيرة تقترح هذه البرامج وبنات هذه المشاريع من أجل مزيد من الانتدابات، ومن أجل السياحة في فضاءات الأرض لتعميم هذه البرامج. برنامج «فطن» ليس آخر هذه الفضائح ولن يكون الأخير. في مجلة «المعرفة» الصادرة من الوزارة تقرير قديم يقول إننا نصرف على الطالب ضعف ما تصرفه سنغافورة ثالثة أفضل نظام تعليمي.

والخلاصة لمن يقرأ تاريخ العمل التعليمي سيدرك أن الوزارة انصرفت تماماً إلى كذبة التربية على حساب التعليم. والنتيجة الواضحة أمامنا بعد نصف قرن من التجارب أن المدرسة فشلت في التربية لأنها ليست مهمتها على الإطلاق، وأضاعت التعليم لأنها انشغلت بغيره عنه. وكان يحدونا الأمل أن معالي الوزير هو من سيحدث الصدمة ويشعل قنديل ثورة التغيير في أركان العملية التعليمية، لاسيما وأن كل الظروف تضعه أمام الفرصة التاريخية النادرة: قيادة جريئة ومجتمع بات أكثر قبولاً وإيماناً بحتمية التغيير. وخذ من الأمثلة: على أيام المرحوم محمد الرشيد كان مجرد حذف بضعة أسطر من مادة مدرسية يستلزم طوابير المعترضين على مكتب الوزير، واليوم حذف المادة كاملة سيمر بلا أي غبار.

معالي الوزير: المعادلة بسيطة لأننا لو انصرفنا إلى التعليم وحده دون كذبة التربية لاكتشفنا أننا نعالج ركنين لا ثالث لهما: المنهج المدرسي وجودة المعلم. سنكتشف أن الطالب مجرد متلق منهك ببرامج ومشاريع التربية على حساب التعليم. ومع هذا يا صاحب المعالي سأصدقك القول: أنا أب لم ألحظ خطوة ملموسة فيما يخص المنهج

ولا المعلم. والقاعدة تقول إن الورم لا يستعدي سوى الورم. هذا المنهج المنتفخ المتورم هو السرطان القاتل لعقول أجيال تحمل حقائبها كل صباح، وهي من الذكاء العصري أول من يكفر بضخامة أوراق الحقيبة. لم تفعلوا شيئاً

يا صاحب المعالي من أجل تخفيف هذا الورم، هي كذبة كبرى أن يذهب الطالب للمدرسة المتوسطة بمعدل 16 مادة مختلفة، وكلها حشو خرافة التربية على حساب جودة التعليم. غداً سأتحدث عن الضحية التلقائية لهذا العبث عن المعلم.