كل من عرف أو قاده الاحتكاك إلى شخصية إدارية بحجم خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز سيعرف حتماً أن رؤيته الإدارية الصارمة ستقودنا في النهاية إلى ولادة ليلة تاريخية، مثلما كان مساء ما قبل البارحة. وعلى المستوى الشخصي أدركت نقطة التحول في العدالة السلمانية من قصة تبدو صغيرة ولكنها جوهرية لمن يقرأ الدلالات: هو الحاكم العادل الذي أمر بتنفيذ حكم القصاص على أحد أفراد الأسرة المالكة الكريمة في سابقة تاريخية، للأسف لم يقرأها كثر في مجراها الخارج عن السياق والمألوف. تقول بعض مصادري إن «أبوفهد» قد تصرف مع تلك الحادثة تماماً مثلما يفعل كبير كل أسرة. عرض الجاه للعفو والتنازل وعندما أدرك أن أسرة المواطن القتيل لا تريد إلا إنفاذ الحكم الشرعي تصرف كولي أمر لعموم المواطنين. نزل الأمير إلى ساحة الصفاة بالرياض وأنهى الحاكم بشرع الله كل ذيول القصة.
وفي الإجابة على السؤال: كيف تقرأ ما حدث مساء ما قبل البارحة؟ والجواب أن السعودية الحديثة على أبواب ثورة إدارية هائلة وهذه الليلة هي المداد الأول لكتابة القوانين. ولا ضير لدي أن أكتب أن إضبارات الإدارة العامة المهترئة المتهالكة التي تسير عليها كل وزاراتنا وهيئاتنا المختلفة هي من فتح الباب مشرعاً أمام كارتيل الفساد. المال السائب يعلَّم السرقة. الفساد يبدأ من الورق المكتوب قبل أن يصل إلى العقول والأدمغة. الورق المكتوب يقول لنا بوضوح إن الخلل المفتوح يكمن في أنظمة ترسية العقود ودراسات استشارات المشاريع وقوانين التوريد التي لم تتغير منذ نصف قرن. تعلمت أجهزة الفساد وأفرادها مع تقادم الزمن كيف تحفظ هذه الأنظمة عن ظهر قلب، وغاصت في كل دهاليزها حتى بات لدى هؤلاء ما أستطيع تسميته بـ«القانون الموازي» الذي يمكّن هؤلاء من السرقة بالقانون. أصبح هؤلاء الأباطرة، وهم في كل مكان، كباراً وصغاراً مع هذه الأنظمة الإدارية مثل ليونيل ميسي عندما يلعب في إجازته الصيفية مع أطفال حارته بالأرجنتين. يأخذ الكرة من الباب إلى الباب دون خدش
أو غلطة. الكارثة أن هذا الـ«ميسي» أصبح لدينا بالآلاف طالما أن الأنظمة الموجودة لا تشبه إلا أطفال الحارة.
الخلاصة أننا كنا في السابق نقول في الخفاء والهمس إن تنظيف البيت يبدأ من فوق، وهذا هو سلمان بن عبدالعزيز يقولها جهراً منتصف السهرة الوطنية وعلى الشاشة الرسمية.